«الآلات الفتاكة»: حرب المسيّرات تُدير محرقة إنسانية وتتجاوز الخطوط الحمراء بالسودان

يدخل النزاع المسلح في السودان مرحلة شديدة الخطورة مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في هجمات الطائرات المسيرة الصامتة.
وتتزايد المخاوف من منح الآلات صلاحية اتخاذ قرار التصفية المباشرة واختيار الأهداف دون أي تدخل بشري فعلي ملموس. يمثل هذا التطور ارتقاءً كبيراً في دموية الصراع المحتدم وتجاوزاً صارخاً للخطوط الأخلاقية والإنسانية الحمراء المعترف بها دولياً.
ويتلقى الجيش السوداني دعماً جوياً متطوراً يتضمن طائرات مسيرة إيرانية الصنع من طراز مهاجر ستة المخصصة للاستطلاع والضربات الدقيقة.
وتتهم تقارير وجهات دولية الجيش السوداني باستخدام أسلحة تتجاوز الخطوط الأخلاقية والقانونية، بينها اتهامات أميركية باستخدام أسلحة كيميائية محرمة دولياً، وهو ما تنفيه سلطة الجيش. وفي الوقت نفسه، تحدثت منصات مقربة منه عن حصوله على منظومات قتالية مدمرة وذاتية التشغيل، من دون تقديم أدلة مستقلة تثبت طبيعتها أو قدراتها الفعلية.
كما تشير تقارير إلى حصوله على مسيرات انتحارية تركية وصينية تتولى فرق متخصصة من سلاح الجو إدارتها. وتُشرف أطقم شؤون الطيران على تشغيل هذه المنظومات من القواعد الجوية الرئيسية في وادي سيدنا بمدينة أم درمان.
وتشير متابعات وتقارير مختلفة إلى تلقي الجيش السوداني دعم مستمر من حكومات تركيا ومصر وقطر والسعودية وباكستان.
في المقابل تتلقى قوات الدعم السريع مسيرات استطلاع وهجوم انتحاري حديثة أبرزها مسيرات صينية. وتستفيد هذه القوات من شبكات إمداد تتلقى دعماً إقليمياً يمر عبر حدود دول جوار سودانية مضطربة وأطراف خارجية. وتتولى وحدات طيران خاصة تابعة للدعم السريع وخبراء أجانب تشغيل تلك المسيرات وصيانتها ميدانياً بدعم من الخبراء الأجانب.
وتشير اتهامات لدولة الإمارات بدعم قوات السريع، لكن أبو ظبي تنفي باستمرار هذه الاتهامات.
وتتوزع مخازن ومراكز إدارة المسيرات لدى الجيش داخل قواعد عسكرية محصنة ومنشآت تحت الأرض لحمايتها من الاستهداف المفاجئ.
بينما تعتمد قوات الدعم السريع على استراتيجية تخزين ديناميكية داخل مزارع خاصة وأحياء سكنية ومقرات مدنية مفرغة. ويضمن هذا التكتيك صعوبة تعقب منصات الإطلاق أو تدمير مخازن الذخيرة المنفصلة التابعة لها بعمليات خاطفة.
وأحدثت ضربات المسيرات المتبادلة شللاً تاماً في المرافق الحيوية وأسفرت عن تدمير هائل للمستشفيات ومحطات المياه والكهرباء بالبلاد.
وتسببت القذائف العشوائية الدقيقة في سقوط مئات القتلى والجرحى المدنيين وتشريد آلاف العائلات من منازلهم خوفاً. كما أدت إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي وتفاقم مجاعة إنسانية غير مسبوقة تضرب عدة ولايات سودانية.
وأكدت تقارير أممية صادرة عن خبراء المستقلين تصاعد الاستخدام غير المشروط للمسيرات ضد أهداف ومدنيين لا يشاركون بالقتال. وحذرت المنظمات الدولية من أن استبدال العنصر البشري بالخوارزميات يزيد من احتمال وقوع جرائم حرب مروعة بالمنطقة. ولفتت التقارير إلى أن النزاع السوداني بات مسرحاً جغرافياً مفتوحاً لتجربة أحدث أسلحة الاغتيال الذاتي المتقدمة.
ويتوقع مراقبون دوليون ارتفاعاً مهولاً في أعداد الضحايا لتتجاوز عشرات الآلاف حال استمرار تدفق التقنيات الذكية للطرفين المتصارعين. ويرى الخبراء أن غياب الرقابة البشرية والتحكم الذاتي للأسلحة سيزيد الموت العشوائي بمعدلات مرعبة بين أوساط السكان. وسيحول هذا الاستخدام المكثف القرى والمدن السودانية إلى مقابر جماعية مفتوحة تعجز المنظمات الإغاثية عن دخولها.
ودعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش، في بيان مشترك نهاية أغسطس الماضي، إلى البدء فوراً في مفاوضات دولية لإقرار صك قانوني ملزم يفرض حظراً وقيوداً واضحة على أنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل.
وقالا، في البيان، إن العالم بات “قريباً بصورة خطرة” من السماح للآلات باستهداف البشر ذاتياً، مؤكدين أن قرار إزهاق حياة إنسان يجب أن يظل خاضعاً للسيطرة البشرية، وألا يُترك لخوارزميات أو أنظمة آلية.
وأشار تقرير لوكالة “رويترز” إلى أن أنظمة شبه ذاتية ومدعومة بالذكاء الاصطناعي استُخدمت في نزاعات عدة، من بينها السودان وأوكرانيا وغزة وإيران والخليج، مع تزايد المخاوف من أن يقود التطور السريع في التكنولوجيا العسكرية إلى أسلحة تستطيع البحث عن أهدافها واختيارها ومهاجمتها بدرجات متناقصة من التدخل البشري.
ويكتسب التحذير خطورة خاصة في السودان، حيث تحولت المسيّرات خلال الحرب إلى واحدة من أكثر أدوات القتل والتدمير انتشاراً، وطالت هجماتها الأسواق والمستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والمياه والوقود ومخيمات النزوح.
وقال مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، خلال جلسة مجلس الأمن في 24 أغسطس، إن أكثر من 12 دولة تقدم شكلاً من أشكال الدعم العسكري لطرفي الحرب في السودان. وأضاف أن تدفق الأسلحة والمسيّرات والمركبات والتمويل الخارجي يطيل أمد الصراع ويزيد معاناة المدنيين، داعياً إلى توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان، وأن يتضمن صراحة المسيّرات والتقنيات والمكونات المرتبطة بها.




