مقالات

فرص الحوار ومآلات المبادرة الخماسية

د. أحمد عثمان

تأتي التحركات الدولية والأقليمية الأخيرة من خلال تشكيل الآلية الخماسية محاولةً لفتح نافذة أمل جديدة في جدار الأزمة السودانية المستعرة، ساعية إلى جمع الفرقاء على طاولة الحوار والدفع نحو وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تصطدم بركام معقد من التحديات الواقعية والتحفظات السياسية التي تجعل من إمكانية إحداث اختراق حقيقي أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.

إن الرغبة الدولية في إيجاد مخرج للأزمة غالباً ما تصطدم بالتعقيدات الميدانية والسياسية المتجذرة داخل الساحة السودانية، مما يجعل أثر هذه الآلية مرهوناً بمدى قدرتها على استيعاب الدروس المتعثرة للمبادرات الموازية السابقة.

تتضح أولى عقبات الآلية الخماسية في الرفض الواسع والمتصاعد الذي أبدته قطاعات عريضة من القوى المدنية والسياسية، ولا سيما التحالفات والتكتلات المناهضة للحرب. ويرتكز هذا الرفض بشكل أساسي على المنهجية الاعتيادية التي تعتمدها الآلية في التعاطي مع الملف السوداني، والتي يراها الكثيرون نهجاً فوقياً يميل إلى إعادة إنتاج السياسات السابقة وتجزئة الحلول.

وتعتبر القوى السياسية والمدنية أن التركيز المستمر على المحاصصات بين أطراف الحوار أو اقحام قوى بعينها في الحوار يعيد تعقيد الأزمة السودانية وإنتاج النظام السابق ورفض مطالب صوت الشارع والمدنيين، وهو النهج الذي تسبب سابقاً في تداعي الاتفاقات السياسية وقاد البلاد في النهاية إلى انفجار الأوضاع العسكرية.

علاوة على ذلك، تحيط التوقعات السلبية بفرص الآلية الخماسية في إحداث اختراق ملموس يقود إلى إنهاء الحرب، نظراً لفقدان أدوات الضغط الفعلية على طرفي الصراع. فكل طرف من الأطراف المتحاربة ما زال يعتقد بقدرته على تحقيق حسم عسكري ميداني أو تحسين شروطه التفاوضية، مما يقلل من جاذبية الحوار السياسي ويمدد زمن المواجهات.

وفي ظل استمرار تدفق السلاح واستقطاب المحاور الإقليمية، تفقد المبادرات السياسية قدرتها على فرض الالتزام بوقف إطلاق النار، وتصبح الاجتماعات الدبلوماسية مجرد منبر لاستعراض المواقف وتوفير غطاء زمني للاستمرار في العمليات العسكرية على الأرض.

إن غياب الإرادة الوطنية الحقيقية والاستقطاب الحاد في المشهد السوداني يضاعف من احتمالات تعثر هذه المبادرة كسابقاتها من الجهود الأقليمية والدولية. فالحوار المتكافئ يتطلب بيئة ملائمة وشروطاً مبدئية قائمة على حماية المدنيين وفتح المسارات الإنسانية، وهو ما يتعارض مع الواقع الميداني الذي يتسم بالتصعيد اليومي.

وبدون تغيير جوهري في المنهجية المتبعة يعيد للمكون المدني دوره الأساسي كطرف أصيل في رسم مستقبل البلاد، ويفكك البنية العسكرية المزدوجة لصالح جيش مهني موحد، ستظل الآلية الخماسية محاولة أخرى تدور في فلك إدارة الأزمة بدلاً من حلها، لتظل نافذة الحوار التي فتحتها مهددة بالإغلاق أمام استمرار البارود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى