مقالات – التحــوّل https://sudantransition.org الديمقراطية لا تـعيش في الظــلام Sat, 12 Sep 2026 06:54:29 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=7.1 https://sudantransition.org/wp-content/uploads/2026/04/cropped-Gemini_Generated_Image_h7t03ph7t03ph7t0-32x32.png مقالات – التحــوّل https://sudantransition.org 32 32 فرص الحوار ومآلات المبادرة الخماسية https://sudantransition.org/%d9%81%d8%b1%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d9%85%d8%a2%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a8%d8%a7%d8%af%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%85%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9.htm Sat, 12 Sep 2026 06:54:29 +0000 https://sudantransition.org/?p=1951 تأتي التحركات الدولية والأقليمية الأخيرة من خلال تشكيل الآلية الخماسية محاولةً لفتح نافذة أمل جديدة في جدار الأزمة السودانية المستعرة، ساعية إلى جمع الفرقاء على طاولة الحوار والدفع نحو وقف إطلاق النار.

ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تصطدم بركام معقد من التحديات الواقعية والتحفظات السياسية التي تجعل من إمكانية إحداث اختراق حقيقي أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.

إن الرغبة الدولية في إيجاد مخرج للأزمة غالباً ما تصطدم بالتعقيدات الميدانية والسياسية المتجذرة داخل الساحة السودانية، مما يجعل أثر هذه الآلية مرهوناً بمدى قدرتها على استيعاب الدروس المتعثرة للمبادرات الموازية السابقة.

تتضح أولى عقبات الآلية الخماسية في الرفض الواسع والمتصاعد الذي أبدته قطاعات عريضة من القوى المدنية والسياسية، ولا سيما التحالفات والتكتلات المناهضة للحرب. ويرتكز هذا الرفض بشكل أساسي على المنهجية الاعتيادية التي تعتمدها الآلية في التعاطي مع الملف السوداني، والتي يراها الكثيرون نهجاً فوقياً يميل إلى إعادة إنتاج السياسات السابقة وتجزئة الحلول.

وتعتبر القوى السياسية والمدنية أن التركيز المستمر على المحاصصات بين أطراف الحوار أو اقحام قوى بعينها في الحوار يعيد تعقيد الأزمة السودانية وإنتاج النظام السابق ورفض مطالب صوت الشارع والمدنيين، وهو النهج الذي تسبب سابقاً في تداعي الاتفاقات السياسية وقاد البلاد في النهاية إلى انفجار الأوضاع العسكرية.

علاوة على ذلك، تحيط التوقعات السلبية بفرص الآلية الخماسية في إحداث اختراق ملموس يقود إلى إنهاء الحرب، نظراً لفقدان أدوات الضغط الفعلية على طرفي الصراع. فكل طرف من الأطراف المتحاربة ما زال يعتقد بقدرته على تحقيق حسم عسكري ميداني أو تحسين شروطه التفاوضية، مما يقلل من جاذبية الحوار السياسي ويمدد زمن المواجهات.

وفي ظل استمرار تدفق السلاح واستقطاب المحاور الإقليمية، تفقد المبادرات السياسية قدرتها على فرض الالتزام بوقف إطلاق النار، وتصبح الاجتماعات الدبلوماسية مجرد منبر لاستعراض المواقف وتوفير غطاء زمني للاستمرار في العمليات العسكرية على الأرض.

إن غياب الإرادة الوطنية الحقيقية والاستقطاب الحاد في المشهد السوداني يضاعف من احتمالات تعثر هذه المبادرة كسابقاتها من الجهود الأقليمية والدولية. فالحوار المتكافئ يتطلب بيئة ملائمة وشروطاً مبدئية قائمة على حماية المدنيين وفتح المسارات الإنسانية، وهو ما يتعارض مع الواقع الميداني الذي يتسم بالتصعيد اليومي.

وبدون تغيير جوهري في المنهجية المتبعة يعيد للمكون المدني دوره الأساسي كطرف أصيل في رسم مستقبل البلاد، ويفكك البنية العسكرية المزدوجة لصالح جيش مهني موحد، ستظل الآلية الخماسية محاولة أخرى تدور في فلك إدارة الأزمة بدلاً من حلها، لتظل نافذة الحوار التي فتحتها مهددة بالإغلاق أمام استمرار البارود.

]]>
عندما تصبح الصحافة جزءاً من الاستجابة الإنسانية: ماذا نتعلم من العالم؟ وماذا يعني ذلك للسودان؟ https://sudantransition.org/%d8%b9%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b5%d8%a8%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%ac%d8%b2%d8%a1%d8%a7%d9%8b-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%a9.htm Sun, 06 Sep 2026 09:07:25 +0000 https://sudantransition.org/?p=1851  

في الأزمات، نتحدث كثيراً عن الغذاء والدواء والمياه والمأوى.

لكن هناك احتياجاً آخر قد لا يظهر في قوائم المساعدات بنفس الوضوح:

المعلومة الموثوقة.

تقرير حديث لليونسكو بعنوان The Value of Journalism يقدم أدلة عالمية على أن الصحافة المستقلة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في الاستجابة للكوارث، والوصول إلى المساعدات، ومواجهة التضليل، وتعزيز المساءلة.

ومن أكثر الأمثلة لفتاً للنظر أن دراسة شملت 2,337 كارثة وجدت ارتباطاً بين التغطية الصحفية وحجم الاستجابة الرسمية؛ إذ قُدّر أن كل قصة إضافية في New York Times ارتبطت بنحو 500 ألف دولار إضافية من المساعدات الرسمية.

قد يبدو الرقم بعيداً عن واقع السودان.

لكن الفكرة ليست في الصحيفة الأمريكية.

الفكرة في قوة المعلومة عندما تصل إلى المكان الصحيح.

تجربة بوركينا فاسو: عندما تتحول الإذاعة إلى تدخل صحي

في بوركينا فاسو، أظهرت الأدلة التي استند إليها تقرير اليونسكو أن البرامج الإذاعية التي تناولت مخاطر الملاريا والالتهاب الرئوي والإسهال لدى الأطفال ساعدت في زيادة توجه مقدمي الرعاية إلى المراكز الصحية، وارتبطت بانخفاض سنوي في وفيات الأطفال دون الخامسة قُدّر بمتوسط 7.15%، مع تقدير إنقاذ نحو 2,967 طفلاً.

هنا لا نتحدث عن صحافة تكتب عن الصحة فقط.

نحن أمام اتصال إعلامي ساهم في تغيير السلوك الصحي والنتائج الصحية.

تجربة نيبال: الراديو عندما تنقطع كل الأشياء الأخرى

بعد الزلازل، والفيضانات، والانهيارات الأرضية في نيبال، لعبت الإذاعات المجتمعية دوراً مختلفاً تماماً.

لم تكن مهمتها فقط إخبار الناس بما حدث.

كانت تنقل معلومات عن الإنقاذ والإغاثة والصحة والنظافة والمياه والمأوى، وتساعد في ربط المجتمعات المتضررة بالجهات التي تستطيع تقديم المساعدة.

وفي بعض المناطق، استمرت الإذاعات في العمل من أماكن مؤقتة، بل دعمت اليونسكو استمراريتها بالمعدات بعد الزلزال.

هذه نقطة مهمة جداً للسودان.

عندما تنهار شبكات الاتصال، وتنقطع الكهرباء، ويتعذر الوصول إلى المناطق المتضررة، لا تختفي الحاجة إلى المعلومات.

بل تصبح أكبر.

والآن… السودان

هنا تصبح المسألة أكثر إلحاحاً.

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يتعرض السودان لأزمة إنسانية فقط.

تعرض أيضاً لأزمة معلومات.

وفق اليونسكو، وثقت نقابة الصحفيين السودانيين منذ بداية الحرب مقتل 32 صحفياً و556 انتهاكاً ضد العاملين في الإعلام، فيما توقفت العديد من الصحف والمحطات الإذاعية عن العمل.

وتشير اليونسكو كذلك إلى أن نحو 90% من البنية التحتية الإعلامية في السودان دُمّرت، الأمر الذي ساهم في خلق فراغ معلوماتي واسع وانتشار التضليل والدعاية الحربية.

وهنا تظهر واحدة من أخطر مفارقات الحرب:

كلما ازدادت حاجة الناس إلى المعلومات الموثوقة، أصبحت القدرة على إنتاجها ونقلها أكثر ضعفاً.

النازح يحتاج أن يعرف أين توجد الخدمة الصحية.

الأم تحتاج إلى معلومة صحيحة عن اللقاح أو الوباء.

المجتمع يحتاج إلى معرفة أين تتوفر المياه أو الغذاء.

المنظمات الإنسانية تحتاج إلى معلومات دقيقة عن الاحتياجات.

والسلطات تحتاج إلى معرفة ما يحدث فعلياً على الأرض.

لكن عندما تصبح المناطق المتضررة خارج التغطية الإعلامية، أو عندما يخاف الصحفي من الوصول إليها، أو عندما تنقطع الاتصالات، يتحول غياب المعلومة إلى جزء من الأزمة نفسها.

الصحفي السوداني ليس مجرد ناقل خبر

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف دور الصحافة في الاستجابة الإنسانية السودانية.

الصحفي الميداني يمكن أن يكون:

عيناً على الاحتياجات.

جسراً بين المجتمع والمنظمات الإنسانية.

وسيلة لمواجهة الشائعات.

أداة للمساءلة.

ومنصة لإيصال صوت المجتمعات التي لا تستطيع الوصول إلى صناع القرار.

والأهم أنه يستطيع أن يجعل الأزمة مرئية.

وهذا أمر بالغ الأهمية في أزمة تخشى أن تتحول إلى “حرب منسية”.

اليونسكو نفسها كرمت في مايو 2026 نقابة الصحفيين السودانيين بجائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة، تقديراً لدورها في توثيق الانتهاكات والاستمرار في تقديم المعلومات للسكان رغم العنف والنزوح والقيود الشديدة على العمل الصحفي.

ماذا يمكن أن نتعلم؟

التجارب الدولية لا تقول إن الصحافة تحل الكوارث.

لكنها تقول شيئاً أكثر واقعية:

الاستجابة الإنسانية تصبح أقوى عندما تكون هناك منظومة معلومات قوية وموثوقة وقريبة من المجتمع.

لذلك، دعم الإعلام في السودان يجب ألا يُعامل باعتباره ملفاً منفصلاً عن العمل الإنساني.

نحتاج إلى الاستثمار في:

– الإعلام المحلي والمجتمعي، خصوصاً الإذاعات.
– تدريب الصحفيين على التغطية الإنسانية والصحية.
– السلامة الرقمية والميدانية للصحفيين.
– أنظمة للتحقق من المعلومات ومواجهة التضليل.
– منصات تربط الصحفيين والمنظمات الإنسانية بالمجتمعات المتضررة.
– دعم الصحفيين النازحين والمنفيين ليستمروا في العمل.
– إنتاج محتوى صحي وإنساني بلغات ولهجات تصل فعلاً إلى المجتمعات.
– بناء شبكات إعلامية تستطيع العمل حتى أثناء انقطاع الإنترنت والكهرباء والاتصالات.

والأهم:

يجب ألا تتحول الصحافة إلى ذراع دعائي لأي طرف.

اليونسكو تؤكد أهمية الحفاظ على استقلال الصحافة ومهنيتها حتى أثناء الأزمات؛ فالإعلام المستقل يختلف عن الاتصال الدعائي أو رسائل تغيير السلوك التي تصدرها الجهات الرسمية والإنسانية. قوته الأساسية تأتي من قدرته على التحقق، وطرح الأسئلة، ونقل ما يحتاج الناس إلى معرفته وما يحق لهم معرفته.

السودان لا يحتاج فقط إلى مزيد من الأخبار

يحتاج إلى بنية تحتية للمعلومة.

بنية تستطيع أن تعمل عندما تنهار البنية التحتية الأخرى.

ففي نيبال، رأينا كيف أصبحت الإذاعة المجتمعية شرياناً للمعلومات بعد الكارثة.

وفي بوركينا فاسو، رأينا كيف يمكن للمحتوى الإعلامي أن يؤثر في السلوك الصحي.

وفي أزمات مختلفة حول العالم، أثبتت الصحافة أن كشف الاحتياجات يمكن أن يحرك الموارد والاستجابة.

أما السودان، فلديه صحفيون يدفعون ثمناً هائلاً لكي لا تختفي الحقيقة.

لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس:

“كيف ندعم الإعلام السوداني؟”

بل:

“كيف نضمن ألا يصبح غياب الإعلام الموثوق جزءاً آخر من الكارثة الإنسانية في السودان؟”

لأن المعلومة في زمن الحرب ليست رفاهية.

أحياناً تكون المعلومة نفسها جزءاً من عملية الإنقاذ.

]]>
الفراغ الدستوري النقابي ما بين التهميش والتهشيم نقابة الصحفيين السودانيين نموذجًا https://sudantransition.org/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b1%d8%a7%d8%ba-%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b3%d8%aa%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%a7%d8%a8%d9%8a-%d9%85%d8%a7-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%87%d9%85%d9%8a.htm Thu, 03 Sep 2026 17:00:44 +0000 https://sudantransition.org/?p=1782  

الفراغ الدستوري النقابي ما بين التهميش والتهشيم
نقابة الصحفيين السودانيين نموذجًا

منتصر أبو زيد- نقابي حرفي

بصفتي مراقبًا من الخارج لانتخابات نقابة الصحفيين السودانيين في أغسطس من العام 2022 بدار المهندسين بالخرطوم، وحينها كمراقبين تم تمليكنا النظام الأساسي من قبل لجنة الانتخابات وقمنا بالاطلاع عليه وعلى لوائح الانتخابات؛ اكتب الآن بعد هذه الأعوام وأعلم أن هذه الدورة على نهايتها، وأن هنالك تحديًا أساسيًا يقع على عاتق الزملاء والزميلات في نقابة الصحفيين من أعضاء الجمعية العمومية ومجلس النقابة ومكتبها التنفيذي والنقيب كذلك. فكلهم الآن يحملون همًّا كبيرًا وهو مصير الحفاظ على هذا الشكل من أشكال الديمقراطية الذي أنتجه الزملاء في مهنة الصحافة، وأيضًا يُعتبر كسبًا من مكاسب ثورة ديسمبر التي جعلت هذا ممكنًا؛ فالكل يتذكر تمامًا أن هذه الانتخابات قامت في ظروف بالغة التعقيد، مما جعل مسؤولية الحفاظ على هذا المكسب تعادل مسؤولية الثورة ومسؤولية عهدها للتغيير.

التغيير الذي طرأ خلال هذه السنوات أنه هنالك فقرات دستورية في النظام الأساسي للنقابة -على ما أذكر (إن لم تخنّي الذاكرة)- أن المادة (21) الفقرة (1) مقرونة مع المادة (33) الفقرة (2) تجعلنا ننظر إلى مواد بعينها في نظام النقابة الأساسي نظرة مراجعة ونقد وتحليل.

كمثال، هنالك بند في النظام الأساسي، وهذا نصه: (عند نشوء ظرف قاهر يحول دون انعقاد الجمعية العمومية عقب انقضاء دورة النقيب ومجلس النقابة لأي سبب من الأسباب تمنع انتخاب نقيب ومجلس، يستمر المجلس القائم في تسيير شؤون النقابة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد لحين إنجلاء الظرف). انتهت الفقرة.

وهنالك فقرة أخرى تنص على: (أن النقيب هو الممثل القانوني لنقابة الصحفيين والناطق الرسمي باسمها وممثلها في الداخل والخارج ما لم يفوض أيًّا من أعضاء المجلس). أيضًا انتهت هذه الفقرة.

أما المادة (44) بفقراتها (1، 2، 3، 4، 5) فقد تحدثت بوضوح عن تعديل النظام الأساسي. وعلى حد مراقبتي، فإنه لم يتم تعديل جوهري في هذا النظام الأساسي الذي أُجيز من قبل الجمعية العمومية في يوليو 2022، والذي هو الحاكم لما نذهب إليه من تحليل لما يجري من مخاوف حول الحفاظ على هذا الكيان في ظل هذه الظروف والتعقيدات البالغة التي تمر بها البلاد من ويلات حرب وتشريد ونزوح ولجوء، ولا نستثني الصحفيين من هذا الواقع المعاش وما ينعكس عليهم في نقابتهم المنتخبة.

حسب ما أوردتُ أو نقلتُ، فإن النظام الأساسي تحدث بشكل واضح أنه في حال وجود ظروف قاهرة منعت الجمعية العمومية من انتخاب نقيب جديد ومجلس جديد، فهناك ثلاثة أشهر قابلة للتجديد على النقيب والمجلس الحاليين لإدارة هذا الكيان حتى إنجلاء هذا الظرف.

لم يحدد النظام الأساسي: هل هذا التجديد مرتبط بقيد زمني؟ وهل هو تجديد لثلاثة أشهر أخرى، أم تجديدين، أم ثلاثة، أم أربعة؟ لكنه قالها بوضوح: (لحين إنجلاء هذا الظرف). فإذا كان هناك نقاش داخل الجمعية العمومية أو المجلس، فعليهم النظر إلى النصوص التي تُماسك الكيان النقابي أكثر من العبارات التي قد تسوقهم إلى تفكيك هذا الكيان.

لأن التجارب الدولية كثيرة حول العالم واجهتها التنظيمات النقابية في مثل هكذا ظروف؛ منها الاتحاد الوطني للصحفيين البريطاني (NUJ) في عامي 2020 و2021 إبان جائحة كورونا، حيث قام بتأجيل الانتخابات وجدّد للمجلس والمكتب النقابي إلى حين قيام الانتخابات، وأيضًا المجلس التنفيذي الوطني (NEC) سند هذا القرار الاضطراري لـتأجيل المؤتمر لسلامة عضويته من جائحة كورونا (كورونا لا الحرب).

كما حدث هذا في نفس تلك الفترة للنقابات المهنية الأردنية لذات السبب، وحدث نفس الإجراء (التمديد). أيضًا في نقابة الصحفيين الفلسطينيين التي واجهت ظروف الاحتلال والحروب الممتدة لعقود، مما جعل مجالسها المتعاقبة تستمر لفترات طويلة وتزيد لأكثر من مدتها المنصوص عليها والمتفق عليها في الدستور النقابي. وما لا يفوتنا ما يحدث في مصر الآن، حيث إن هنالك قراءات تقول بأن السلطة الإدارية عبر توصية من المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، تتجه النوايا الرسمية فيها لإصدار قرار جديد بتأجيل الانتخابات النقابية العمالية وتمديد الدورة النقابية الحالية (2022-2026) لمدة ستة أشهر إضافية تحت مبرر استكمال التحول الرقمي، مما يضع المكاتب القيادية الحالية أمام تمديد الفترة الحالية (فهذا يُعتبر تدخلاً إداريًّا يعصف بالحريات النقابية).

تمديد نقابة الصحفيين لقيادتها أمر طبيعي ويحدث في كثير من الأحيان لنقابات حول العالم بتفاصيل مختلفة، ولكن النتيجة واحدة وهي تجديد أو تمديد للقيادة الحالية إلى حين إنجلاء هذا الظرف.

الظرف الذي ناقشته أعلاه والتجارب حول الدول تجعلني أنظر إلى كذا سيناريو سيحدث عما قريب في نقابة الصحفيين السودانيين:

الأول: هو أن يحتكم الجميع لصوت العقل داخل الجمعية العمومية والمجلس والمكتب التنفيذي والنقيب، بأن يمددوا للقيادة الحالية لأكثر من ثلاثة أشهر، وقد تمتد لعام من تاريخ انتهاء الثلاثة أشهر الأولى قابلة للتجديد (لحين إنجلاء تلك الظروف) حسب ما ورد في النظام الأساسي، الذي لم يتكلم عما إذا استمرت هذه الظروف لأكثر من ثلاثة أشهر أخرى أو ربما ثلاثة أعوام أخرى، ماذا يحدث حينها وما هي التدابير الممكنة.

السيناريو الثاني: أن يشرع بعض الأعضاء في القيادة على مستوى المجلس أو المكتب التنفيذي أو النقيب بتقديم استقالاتهم من التكاليف تحت مبرر أن دورتنا المنتخبة انتهت ولا نريد مزيدًا من التكاليف، خصوصًا أن هنالك فقرة في النظام الأساسي حظرت على النقيب الجمع بين منصبه كـنقيب ورئاسة أي مؤسسة صحفية، وهذا ما وضعه في تحدٍّ آخر إن كان لديه رغبة في الرجوع إلى الحقل الصحفي دون تقييد من النقابة.

السيناريو الثالث: قد تتجه مجموعة قيادية إلى الطعن في أهلية هذا الكيان وأن دورته انتهت، ولا يذكرون هذه الفقرات في مواد النظام الأساسي، ويذهبون بهذه الشرعية إلى أي معسكر من معسكرات الحرب أو أي طاولة من طاولات التفاوض، ويعملون على تفتيت الوحدة النقابية، وحينها سيدخلون أعضاء النقابة في دوامة جديدة وحرب بيانات جديدة لا فائدة منها سوى ضياع الوقت والجهد للطرفين، وفي وقت قريب سيعرف الجميع أنها مجموعة منشقة لا أكثر ولا أقل باعت وحدة النقابة بثمن بخس سيقود النقابة إلى مرحلة التهميش ثم تهشيم النقابة بهذه التصبغات التي لا فائدة منها. فهذا ليس بجديد؛ حدث من قبل في المكتب التنفيذي لنقابة الأطباء إبان انقلاب يونيو 89 في القاهرة، حيث تم ترفيع أطباء للمكتب التنفيذي كانوا محسوبين على نظام الانقلاب، وكانت الذريعة هي نفسها (انتهاء مدة النقابة الانتخابية ولا بد من ملء الفراغ التنفيذي)، مما أجبر بعض الأطباء من أعضاء الجمعية العمومية في زمن لاحق لدعوة انتخابات بمستشفى أم درمان لعقد انتخابات وتسميتها (النقابة الشرعية لأطباء السودان)، وهو حراك رافض لتلك النقابة الجديدة وأنها ليست شرعية.

كل هذه السيناريوهات أضعها بين جموع النقابيين والنقابيات لكي نسهم في ما نراه مناسبًا؛ فخصوصًا مع مرور أيام بسيطة سنواجه نفس هذا التحدي في اللجنة التمهيدية لأطباء السودان، وفي نقابة الدراميين السودانيين، ونقابة أساتذة جامعة الخرطوم، وغيرها من النقابات التي مارست التمرين الديمقراطي في الفترة الماضية.

]]>
الحركة الإسلامية السودانية.. لا تغيير في المنهج أو المشروع https://sudantransition.org/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%83%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%af%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%a7-%d8%aa%d8%ba%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%81.htm Mon, 31 Aug 2026 07:01:07 +0000 https://sudantransition.org/?p=1678
الحركةالاسلامية بدأت التفكير في إرسال وفود إلى مصر والسعودية لطمأنتهما، والسعي نحو فتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
عاد الحديث عن الحركة الإسلامية في السودان يطفو على السطح مؤخرا، كمحاولة لحجز مكان لها في أي خارطة سياسية تلي انتهاء الحرب الحالية في السودان. والإيحاء باتخاذ ترتيبات تشير إلى وجود تحولات في أهدافها، وتخفيف حدة الانتقادات التي وجهت إليها من أطراف عدة وحمّلتها مسؤولية اندلاع الحرب الراهنة بين الجيش وقوات الدعم السريع، والعمل على إطالة أمدها لحصد مكاسب سياسية. لكن الخطوات التي قامت بها الحركة لا تنطوي على تغيير ملموس في المنهج أو المشروع.
المشكلة أن موقع الحركة الإسلامية لم يعد شأناً سودانيا داخلياً يؤثر في تحديد شكل الدولة، والتسوية السياسية المنتظرة، وطبيعة العلاقة بالمحيطين الإقليمي والدولي. فقد حكمت الحركة التي تضم طيفا إسلاميا واسعا السودان نحو ثلاثة عقود عبر حزب المؤتمر الوطني (المنحل)، ثم دُفعت إلى الظل بعد ثورة ديسمبر 2018 وما تلاها من أحداث، أبرزها سقوط نظام عمر البشير.
وجدت الحركة في الحرب التي اندلعت بين الجيش والدعم السربع فرصة لاستعادة النفوذ من بوابة توفير المزيد من الانخراط في دعم الجيش وتوظيف حاجته إلى قوة منظمة للتعبئة والقتال. ومع إطالة أمد الحرب وانسداد أفق التسوية السياسية، بدت الحركة الإسلامية كأنها تحاول العثور على حضور ميداني لها بواجهة جديدة، من دون ادخال تعديلات حقيقية في ثوابت المنهج السياسي وقواعد المشروع الفكري.
اكتسبت المعلومات المتداولة بشأن اجتماع عقد في منكقة الكدرو بشمال الخرطوم بحري في 24 أغسطس 2026، برئاسة الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي ومشاركة رئيس حزب المؤتمر الوطني (المنحل) أحمد هارون وقيادات من ولايات مختلفة، دلالة تتجاوز مجرد الاجتماع. حيث أشارت تقارير سودانية إلى بحث استكمال البناء التنظيمي، وإعداد كوادر الصفين الثاني والثالث للظهور العلني، والعمل على طرح اسم جديد للحركة، والاستعداد لأي انتخابات يمكن إجراؤها مستقبلا، فضلا عن بناء شبكة علاقات خارجية تساعد على فك العزلة السياسية.
بدأت الحركة التفكير في إرسال وفود إلى مصر والسعودية لطمأنتهما، والسعي نحو فتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع التعويل على مساعدات سياسية سخية من تركيا وقطر. بهدف الوصول إلى صيغة تضمن للحركة مكاناً في المشهد السياسي المقبل، وتبديد المخاوف من نفوذها المتصاعد في المؤسسة العسكرية.
المفارقة الرئيسية هنا أن الحركة الإسلامية تحتاج إلى الجيش للحفاظ على نفوذها الميداني والسياسي، وتحتاج إلى إقناع الخارج بأنها لا تسيطر على المؤسسة العسكرية. كما تحتاج إلى علاقات إقليمية متوازنة، وتدرك أن القاهرة والرياض تنظران بقلق إلى إمكانية عودة الحركة الإسلامية إلى واجهة السلطة مرة أخرى.
يبدو أن تغيير الواجهة يمثل جزءاً من المعركة السياسية الراهنة. فالحركة تتجه إلى تبني خطاب مختلف عن “المشروع الحضاري” الذي ارتبط بحكم البشير، لتقدم نفسها كمدافعة عن الدولة الوطنية ومؤسساتها في مواجهة ما تسميه مشروع “التفكيك”.
إنه انتقال من خطاب أيديولوجي صريح إلى خطاب وطني، بغرض تغيير الصورة النمطية للحركة من مشروع يسعى للسيطرة على الدولة إلى قوة تدافع عنها.
المشكلة أن استبدال الاسم بآخر، مهما كان المسمى، لن يحل أزمة البنية الداخلية في الحركة. فمنذ المفاصلة التي تمت عام 1999 بين حسن الترابي وعمر البشير، انقسم الإسلاميون بين حزبي المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي. ثم ظهر خلاف جديد حول شرعية قيادة المؤتمر الوطني المنحل بعد اختيار أحمد هارون رئيساً له في نوفمبر 2024، وهو ما رفضته مجموعة أخرى بقيادة إبراهيم محمود حامد.
جانب ذلك توجد واجهات ائتلافية، أبرزها “التيار الإسلامي العريض” الذي انتُخب علي كرتي رئيساً له في يونيو الماضي، وأذرع مسلحة مثل “كتيبة البراء بن مالك” المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، إضافة إلى تشكيلات تضم عناصر أمنية وعسكرية سابقة. لذلك ظهرت الحركة أقرب إلى مجموعة من مراكز القوى منها إلى تنظيم مركزي موحد.
تزداد حساسية علاقتها بالجيش. فلا يمكن القول إن الحركة تملك المؤسسة العسكرية أو تتحكم بها بالكامل. فالجيش يمتلك السلاح والرواتب والشرعية الرسمية وحساباته الخاصة. ويصعب في المقابل تجاهل مؤشرات التغلغل الإسلامي في بعض مكوناته، أو العلاقة مع تشكيلات مسلحة موالية له.
أصبحت عملية نفي السيطرة على الجيش جزءاً أساسياً من خطاب الحركة. وهذا يعني أن الاتهام بات مؤثراً خارجيا. كما أن تصريحات أحمد هارون السابقة عن توقعه استمرار حكم الجيش بعد الحرب وإمكانية عودة المؤتمر الوطني (المنحل) والحركة الإسلامية عبر الانتخابات تقوض رواية الفصل بين الحركة والمؤسسة العسكرية.
يستند الرهان على تركيا وقطر لتحسين صورتها إلى امتلاكهما قنوات اتصال إقليمية ودولية وعلاقات تاريخية مع التيارات الإسلامية. علاوة على تنامي الدور التركي في السودان، عسكريا وسياسيا. وتزامنت زيارة رئيس هيئة الأركان السودانية ياسر العطا إلى أنقرة في 17 أغسطس 2026 مع تصريحات داعمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لرئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، في ما عززت الخرطوم علاقاتها مع الرياض عبر إنشاء مجلس تنسيق ثنائي مؤخرا.
يصطدم إعادة تأهيل الحركة خارجياً بالعقبة الأميركية. تصنيفها منظمة إرهابية في مارس 2026 يجعل التراجع عن الموقف الأميركي صعباً، خصوصاً مع استمرار الحرب الحالية. صحيح أن القانون الأميركي يسمح نظرياً بمراجعة التصنيف إذا تغيرت الظروف، لكن تغيير الاسم وحده لا يكفي. المعيار هو تغير السلوك.
من المتوقع أن تدور معركة الحركة خلال الفترة المقبلة حول الشرعية، أكثر منها معركة حول النفوذ. قد تملك الحركة شبكات تنظيمية ومقاتلين وقدرة على التعبئة والحشد، إلا أنها تحتاج إلى اعتراف خارجي يحوّل نفوذها إلى دور سياسي.
من المرجح أن لا تتخلى الحركة الإسلامية السودانية عن مشروعها، وسوف تلجأ للعثور على صيغة للبقاء. قد يكون تغيير الاسم، والدفع بقيادات شابة، والذوبان في تحالفات أوسع، وتحويل بعض الأذرع المسلحة لواجهات مدنية، أدوات لإعادة تقديم نفسها. لكن النجاح سيبقى رهناً بمآلات الحرب وطبيعة تداعياتها، وموقف الجيش من حجم نفوذ الإسلاميين، ومواقف كل من مصر والسعودية وتركيا وقطر والولايات المتحدة. السؤال الحقيقي ليس هل تعود الحركة إلى السياسة علنا، إنما بأي اسم، وأي قيادة، وأي علاقة مع الجيش، وأي ثمن إقليمي ودولي ستكون مضطرة إلى دفعه؟
 Middle East
]]>
ما وراء المشهد… كيف تُصنع موازين اليوم التالي؟ https://sudantransition.org/%d9%85%d8%a7-%d9%88%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d9%87%d8%af-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%aa%d9%8f%d8%b5%d9%86%d8%b9-%d9%85%d9%88%d8%a7%d8%b2%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88%d9%85.htm Sat, 29 Aug 2026 07:27:22 +0000 https://sudantransition.org/?p=1640 تمهيد
من المبكر القول إن أمريكا نجحت أو فشلت في مسعاها لتوسيع حظر السلاح من دارفور إلى كامل السودان؛ فالمشروع لم يُهزم في تصويت، وإنما دخل للتو معركة سياسية صعبة داخل مجلس الأمن، تقف فيها روسيا بوضوح ضد التوسيع وتتحفظ الصين عليه، بينما تؤيده قوى غربية. والاختبار الحقيقي سيأتي مع اقتراب ١٢ سبتمبر، موعد انتهاء التدابير الحالية وضرورة اتخاذ المجلس قراراً بشأن تجديدها. فإذا اضطرت واشنطن تحت ضغط موسكو وبكين إلى الاكتفاء بتجديد حظر دارفور بصيغته الحالية، يمكن عندها الحديث عن إخفاق أمريكي في توسيع الحظر؛ أما الآن فنحن لا نشهد نهاية المعركة، بل بدايتها، وربما يكون السؤال الأكثر إثارة هو؛ إلى أي مدى ستذهب واشنطن في مساومة روسيا والصين من أجل السودان، وما الذي ستكون مستعدة للتنازل عنه للحصول على أصواتهما أو امتناعهما؟

■ لم يعد خافياً أن جانباً كبيراً من المعركة، في الداخل والخارج، يدور حول اليوم التالي للحرب؛ ولذلك فالسؤال الأهم ليس ما إذا كان هذا الصراع قائماً، وإنما؛ كيف يحاول كل طرف، منذ الآن، أن يصنع ميزان القوى الذي سيدخل به إلى ذلك اليوم؟ ومن هذه الزاوية تحديداً ينبغي أن نقرأ المعركة الدائرة داخل مجلس الأمن حول المقترح الأمريكي لتوسيع حظر السلاح إلى كامل السودان. فالحظر، إذا مضى، لن يوقف البنادق غداً، لكنه قد يغيّر حسابات من يستخدمونها اليوم، ويضيّق قدرة أي طرف على تحقيق نصر عسكري يمنحه لاحقاً حق فرض شروطه منفرداً. وهنا تكمن مفارقة تستحق الانتباه؛ فقد يؤدي اقتراب القيود على السلاح والتمويل، في المدى القصير، إلى تسريع الحرب قبل أن يساعد على إبطائها، لأن كل طرف قد يسعى إلى تحقيق أكبر مكسب ميداني ممكن قبل أن تضيق نافذة الإمداد، ولأن الجيش والدعم السريع يعلمان أن خريطة السيطرة عند اللحظة التي تتجمد فيها الجبهات قد تصبح جزءاً من خريطة التفاوض بعدها. وبالتوازي مع ذلك، سيسابق البرهان الزمن لصناعة مسار سياسي يمنحه وزناً وشرعية تفاوضية قبل اكتمال المنصة المدنية، بينما سيحاول الدعم السريع تحويل ما تبقى له من سيطرة جغرافية إلى رأسمال سياسي قبل أن تتحول من ورقة قوة إلى عبء. أما الإسلاميون، فقد يكون أخطر ما يخشونه ليس خسارة معركة عسكرية بعينها، وإنما الوصول إلى تسوية يصبح فيها نفوذهم داخل منظومة الحرب وتشكيلاتهم المسلحة جزءاً مما يراد تفكيكه في بناء الدولة الجديدة. ولذلك فإن السؤال الأكثر كشفاً للمشهد في الشهور المقبلة ليس؛ من يريد السلام؟ فالجميع تقريباً يقول إنه يريده؛ وإنما؛ أيُّ سلام يريد كل طرف، وما الذي يريد أن يحمله معه من الحرب إلى اليوم التالي لها؟

■ راقبوا من يضع الشروط التي يستحيل تنفيذها. راقبوا من يصعّد كلما اقترب الوسطاء. راقبوا من يخشى وقف تدفق السلاح. وراقبوا من يسابق الزمن لصناعة شرعية سياسية قبل وقف النار. فهناك، على الأرجح، ستجدون الإجابة. والمدنيون أيضاً يسابقون الزمن وهذا السباق لا يخص حاملي البنادق وحدهم. فالمدنيون يحاولون الوصول إلى اللحظة نفسها وقد أقنعوا واشنطن والخماسية والعواصم المؤثرة بأن هناك مركزاً مدنياً مستقلاً يستطيع حمل العملية السياسية إذا نجح الضغط في إنتاج وقف للحرب. ولهذا لا أقرأ اجتماع أديس، ووثيقة “عملية السلام التي نريد”، والتحركات المدنية الخارجية المحتملة كأحداث منفصلة. إنها أجزاء من معركة واحدة؛ من يملك شرعية اليوم التالي؟

■ والتحدي أمام حمدوك والقوى المدنية “صمود” ليس إقناع العالم بأن البرهان وحميدتي لا ينبغي أن يحكما السودان؛ فهذه أسهل المسائل. التحدي الأصعب هو إقناع السودانيين أولاً، ثم العالم، بأن لديهم بديلاً أفضل وقابلاً للحكم. وهنا، إذا تمت زيارة حمدوك المتوقعة إلى واشنطن، سأراقب أربعة أشياء أكثر من الصور والتصريحات؛ من سيكون معه؟ من سيقابله؟ ماذا سيضع على الطاولة؟ وماذا ستقول واشنطن بعد خروجه؟ فهذه التفاصيل ستخبرنا إن كانت الإدارة الأمريكية تنظر إلى القوى المدنية باعتبارها مجرد صوت ينبغي سماعه، أم أنها بدأت تنظر إليها باعتبارها ركناً ضرورياً في هندسة ما بعد الحرب. وقد تكون المعركة السياسية المقبلة، في جوهرها، ليست بين حمدوك والبرهان على كرسي الحكم، وإنما على سؤال أعمق؛ من يملك حق تحديد نقطة البداية؟ البرهان يريد أن تبدأ العملية السياسية من السلطة القائمة ثم يدخل المدنيون إليها. أما القوى المدنية المناهضة للحرب فتريد أن تتوقف سلطة الحرب أولاً، ثم تبدأ عملية مستقلة تنتج شرعية جديدة. وبين هذين التصورين يوجد فارق دولة كاملة.

■ إذن… إلى أين نحن ذاهبون؟ لا أعتقد أن أمريكا ستسمح بسهولة بتحويل انتصار عسكري للبرهان إلى شرعية سياسية دائمة. ولا أعتقد أنها ستقبل بدولة موازية يقودها حميدتي. ولا أرى مساحة مريحة في التصور الأمريكي الحالي لعودة الإسلاميين المسلحين إلى مركز السلطة. وبالتالي فإن المعادلة التي يجري البحث عنها تبدو شديدة الصعوبة؛ الاحتفاظ بالجيش… دون الاحتفاظ بحكم الجيش. إنهاء الدعم السريع كجيش موازٍ… دون محاولة محو عشرات الآلاف من المقاتلين بقرار. إبعاد التشكيلات الإسلامية المسلحة… دون إشعال حرب أيديولوجية جديدة. إقامة حكومة مدنية… دون تحويلها إلى واجهة لسلطة عسكرية. هذه هي العقدة. وأرجح الآن مساراً مزدوجاً؛ ضغطاً متزايداً على شرايين الحرب الخارجية،  السلاح والتمويل والمسيّرات وشبكات الإمداد، بالتوازي مع محاولة الوصول إلى هدنة إنسانية، ثم مساومات شاقة على الانسحابات والممرات الإنسانية ومواقع القوات، وصولاً إلى وقف أوسع لإطلاق النار. وخلال ذلك ستتحرك الخماسية في المسار السياسي، وسيسابق البرهان لبناء مساره الداخلي، وسيسعى الدعم السريع إلى تثبيت أكبر وزن تفاوضي ممكن، وسيحاول المدنيون بناء مركز سياسي قادر على المطالبة باليوم التالي..ثم سيأتي العامل الذي قد يصبح أقوى من كثير من البنادق؛ المال.

■ فالسودان الذي دمرته هذه الحرب لن يعاد بناؤه بموارد أي من الأطراف. وستصبح مليارات إعادة الإعمار، وإعفاء الديون، والمؤسسات المالية الدولية، والاستثمارات الخليجية، وعودة النظام المصرفي؛ جزءاً من هندسة التسوية نفسها. وعندها ستكون الرسالة بسيطة؛
من يريد أن يحكم بلداً قابلاً للحياة، عليه أن يقبل أولاً بشروط عودته إلى العالم.
وأخيراً… لا ينبغي أن نخدع أنفسنا. أمريكا لا تتحرك من أجل عيون السودانيين. ومصر لا تتحرك من أجل الثورة السودانية. والسعودية لا تدير سياستها الخارجية كجمعية خيرية. والإمارات ليست مؤسسة إنسانية. والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لكل منهم حساباته ومصالحه وقيوده..الدول لا تحب؛ الدول لها مصالح. لكن السياسة الذكية ليست أن نغضب لأن الآخرين يبحثون عن مصالحهم. السياسة الذكية أن يعرف السودانيون أين تتقاطع مصالح الآخرين مع مصلحة بلادهم، وأين تفترق عنها، وأن يدخلوا تلك المساحة بمشروعهم هم، لا أن ينتظروا مشروعاً يكتبه لهم الآخرون. فالرباعية تستطيع أن تضغط على حملة البنادق. والخماسية تستطيع أن تفتح أبواب الحوار. وأمريكا تستطيع أن تعاقب وتحاول الوصول إلى شرايين السلاح والتمويل. والسعودية تستطيع أن تستضيف. ومصر تستطيع أن تؤثر..والإمارات تستطيع أن تستخدم نفوذها. والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يستطيعان منح العملية غطاءً دولياً وإقليمياً. لكن شيئاً واحداً لا تستطيع كل هذه الدول والمؤسسات أن تفعله نيابة عنا؛ أن تؤسس السودان الذي نريده. وهنا تكمن، في تقديري، أخطر لحظة منذ اندلاع الحرب.

■ لأن الصراع القادم لن يكون فقط على الفاشر أو كردفان أو الخرطوم، ولن يكون فقط بين البرهان وحميدتي. الصراع الأكبر سيكون على من يكتب نهاية هذه الحرب؛ ومن يكتب بداية الدولة التي ستأتي بعدها. البرهان يريد أن يكتبها من موقع البندقية والدولة التي يسيطر عليها.
والدعم السريع يريد أن يكتبها من خريطة الأرض التي انتزعها بالسلاح..والإسلاميون يريدون ألا تنتهي الحرب بنهاية طريقهم إلى السلطة..والرباعية تريد تسوية تحمي مصالح دولها وتمنع انهيار السودان. والخماسية تريد مساراً سياسياً تستطيع المؤسسات الدولية والإقليمية الاعتراف به. والمدنيون يحاولون ألا يصل الجميع إلى الطاولة ليكتشفوا أنهم آخر من دُعي إليها. ولذلك ليس أمام القوى المدنية ترف الوقوف على الرصيف وانتظار ما ستقرره هذه الأطراف..إما أن تأتي إلى اللحظة القادمة بمشروع دولة واضح، وبكتلة مدنية واسعة، وبإجابة شجاعة وعملية عن سؤال الجيش والسلاح والعدالة والحكم؛ وإما أن يستيقظ السودانيون ذات صباح ليجدوا أن الحرب التي أشعلها العسكريون أوقفها الأجانب، وأن الدولة التي حلموا بها صممها الآخرون. وعندها لن تكون المشكلة أن أمريكا والرباعية والخماسية قررت مستقبل السودان؛ المشكلة الحقيقية ستكون أننا تركنا لهم المقعد فارغاً، والقلم على الطاولة، وطلبنا منهم أن يكتبوه عنا.

]]>
من يملك الدولة ومن يقرر المستقبل؟ نحو مجلس وطني مدني للسلام والانتقال الديمقراطي https://sudantransition.org/%d9%85%d9%86-%d9%8a%d9%85%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%88%d9%85%d9%86-%d9%8a%d9%82%d8%b1%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84%d8%9f-%d9%86%d8%ad%d9%88-%d9%85.htm Tue, 25 Aug 2026 09:20:38 +0000 https://sudantransition.org/?p=1589 صدرت “وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها”(1) عن الاجتماع التشاوري الذي انعقد في أديس أبابا يومي 22 و23 أغسطس 2026، بمشاركة قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزبي الأمة والمؤتمر الشعبي، ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية وشخصيات عامة. ورفضت الوثيقة دعوة قائد الجيش إلى “حوار سوداني-سوداني” باعتبارها مبادرة أحادية تُدار في مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب، ولا ترتبط بوقف القتال أو معالجة الكارثة الإنسانية، وقد تؤدي إلى شرعنة الحكم العسكري وتكريس واقع تقسيم البلاد وإعادة تمكين عناصر النظام السابق. وفي مقابل ذلك، طرحت الوثيقة تصوراً لعملية سلام حقيقية تحت مظلة مستقلة ومتفق عليها، تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: حماية المدنيين والإغاثة الإنسانية، وهدنة شاملة تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، ومسار سياسي مدني واسع يعالج جذور الحروب وقضايا الحكم والمواطنة وإصلاح القطاع الأمني والعدالة وحقوق النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار والانتقال الديمقراطي. كما دعت إلى قصر مشاركة طرفي الحرب على الترتيبات العسكرية والإنسانية، وتوحيد جهود الوساطة الدولية والإقليمية، وأيدت خارطة طريق الرباعية مع إبداء الاستعداد للتعامل البنّاء مع الخماسية وفق مبادئ الملكية السودانية للعملية، وشمول المشاركة، واستبعاد هيمنة أطراف الحرب وقوى النظام السابق.

أيضاً تناول منتدى صحيفة “صوت الأمة” – الذي انعقد فى السابع عشر من الجارى في مركز عافر بمدينة نصر، تحت عنوان “المخرج الممكن من الأزمة السودانية”، بمشاركة قيادات سياسية ومدنية وعدد من المهتمين بالشأن السوداني – هذه القضايا بمزيد من التحديد. الأسئلة التى طُرحت فى قلب هذا المنتدى، كما وصفتها الأستاذة الصحفية سهام صالح فى تقريرٍ متميزٍ(2)، لم تقتصر على كيفية إنهاء الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، بل شملت أيضاً ما سيأتي بعدها: “من يحكم؟ وكيف تُعاد بناء الدولة؟ وما مصير الجيش والقوات المسلحة والتشكيلات العسكرية الأخرى؟ وهل تستطيع القوى المدنية إنتاج مشروع سياسى يتجاوز خلافاتها ويستعيد ثقة الشارع؟”. أفادت الكاتبة بأن النقاش قد كشف عن نقطة التقاء رئيسية: “لا يبدو وقف إطلاق النار، في نظر المشاركين، كافياً وحده لإنهاء الأزمة، كما أن الرهان على الحسم العسكري لا يقدم بالضرورة طريقاً إلى دولة مستقرة”.

إلا أن العقدة الكأداء التى أشارت إليها أستاذة سهام تتمثل فى أن “الخلاف يبدأ عند السؤال الأصعب: كيف يمكن الوصول إلى وقف الحرب، ومن يملك القدرة على دفع طرفيها إلى التفاوض، وكيف تتعامل القوى المدنية مع الدعوات السياسية التي تصدر من المؤسسة العسكرية؟”، وكذلك التساؤل المهم الذى طرحة الأستاذ عثمان فضل الله عن الواقعية السياسية في مواجهة الموقف المبدئي:”هل يمكن أن يتحول الموقف الأخلاقي للقوى المدنية، الرافض لشرعنة الحرب أو منح الشرعية لمن يحمل السلاح، إلى عامل يعزلها عن واقع تسيطر عليه القوة العسكرية؟”
وفي رأيي، ترتبط القضايا مثار الخلاف – والتى تمثل العقبة الكأداء أمام بناء مشروع وطني ديمقراطي أكثر نجاعةً وشمولاً – بواقع مقلق بدأ يترسخ في سياق الحرب الأهلية السودانية: فالنخب العسكرية والمليشياوية تستمد نفوذها من سيطرتها على السلاح والأرض والموارد، مما مكنها من بناء تحالفات إقليمية واقتصاد حرب لا يستهان به، الأمر الذى يعنى أنه، بمرور الوقت، قد يصبح “الوضع الطبيعى الجديد” حرباً متطاولة فى سياق توازن الضعف الذى بدأ يتشكل على المستوى العسكرى. بالمقابل، مع تقديرنا للمجهودات المقدرة التى أفرزت التحالفات المدنية الديمقراطية القائمة، إلا أن القوى المدنية، رغم وزنها الاجتماعي وشرعيتها المستمدة من ثورة ديسمبر، لم يتوافر لها مركز موحد لاتخاذ القرار، ولا جهاز تنفيذي يبرهن على قدرتها على إدارة الدولة.
تمثل “وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها” خطوة مهمة نحو بناء موقف مدني مشترك يتجاوز مجرد رفض الحرب إلى طرح تصور متكامل لوقفها وبناء السلام وتحقيق الانتقال الديمقراطي. غير أنها تظل، في صورتها الراهنة، إعلاناً سياسياً وتوافقاً بين قوى متعددة، ولا ترقى بعد إلى مستوى مؤسسة وطنية دائمة تمتلك مركزاً موحداً لاتخاذ القرار وجهازاً تنفيذياً قادراً على تحويل مبادئها إلى برنامج عمل داخلي ودبلوماسي متواصل. عليه، لا بد من التفكير بجرأة أكبر واجتراح حلول ومبادرات “خارج الصندوق”. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى الانتقال من التنسيق الظرفي وإصدار المواقف المشتركة إلى التوافق على تأسيس “مجلس وطني مدني للسلام والانتقال الديمقراطي”، ينشأ عن مؤتمر تمثيلي حقيقي يضم ممثلين عن القوى المدنية الديمقراطية، ولجان المقاومة، والنقابات والمهنيين، والنساء والشباب، والأقاليم والمجتمعات المتضررة، والنازحين واللاجئين، إلى جانب الشخصيات الوطنية المستقلة والدياسبورا السودانية خارج الوطن.
ويجعل المجلس من هذه الوثيقة وغيرها من المبادرات المدنية أساساً لميثاق وطني أوسع، ويمنح القوى المناهضة للحرب إطاراً مؤسسياً قادراً على مخاطبة طرفي الحرب والمجتمعين الإقليمي والدولي باسم مشروع مدني ديمقراطي واضح. وبذلك يمكنه اكتساب شرعية وطنية وازنة تفتح أمامه إمكان بناء اعتراف دولي واسع وتعزز حضوره شريكاً أساسياً في أي عملية للسلام والانتقال. ومن شأن مجلس يستوفي هذه المقومات أن يحقق جملة من الأهداف المحورية:
• كسر احتكار طرفي الحرب تمثيلَ السودان أمام العالم.
• توحيد القوى الديمقراطية حول ميثاق وبرنامج، لا حول مجرد رفض الحرب.
• إعداد رؤية متكاملة لوقف الحرب، وتحقيق الانتقال المدني، وإصلاح القطاع الأمني.
• تطوير خطط عملية للإغاثة، وإعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي، والعدالة الانتقالية، وإصلاح نظام الحكم الفيدرالي.
• إعداد كوادر مؤهلة لتولي مسؤوليات الدولة بعد التسوية.
• تنظيم الدبلوماسية المدنية والاستفادة من طاقات السودانيين في الدياسبورا السودانية.
• تقديم نموذج للشفافية والمساءلة والقيادة الجماعية، مغايرٍ لسلطات الأمر الواقع.
ماذا تخبرنا التجارب التاريخية لكيانات المنفى؟
لا تقدم التجارب التاريخية نموذجاً واحداً لكيانات المنفى، بل تكشف عن تفاوت كبير في مصادر شرعيتها وظروف نشأتها ونتائجها. فقد استندت الحكومات الأوروبية التي عملت من لندن خلال الحرب العالمية الثانية، وكذلك حكومة الكويت عام 1990، إلى شرعية دستورية سابقة واعتراف دولي كامل، ثم استعادت السلطة بفضل انتصار تحالف عسكري دولي؛ ولذلك تظل قابليتها للمقارنة بالحالة السودانية محدودة.
وتظل تجربة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، التي أعلنتها جبهة التحرير الوطني في سبتمبر 1958، محدودة القابلية للمقارنة بالسودان أيضاً، رغم كونها من أبرز التجارب الناجحة دبلوماسياً. فقد أسهمت في تحويل الثورة الجزائرية من “تمرد داخلي”، بحسب الرواية الفرنسية، إلى قضية تحرر وطني، وأنشأت بعثات خارجية، وحشدت الدعم المالي والسياسي، وحصلت على اعتراف دولي متنامٍ، ثم أصبحت الطرف الجزائري في مفاوضات إيفيان التي أنهت الاحتلال الفرنسي. غير أن نجاحها لم يكن ثمرة الإعلان في حد ذاته، بل استند إلى جبهة تحرير موحدة نسبياً، وجيش وقواعد خلفية وشبكات فاعلة داخل الجزائر، فضلاً عن بيئة دولية مواتية لتصفية الاستعمار. وإلى جانب ذلك، كانت الجزائر خاضعة لاستعمار أجنبي ذي قاعدة استيطانية واسعة، بينما السودان دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة. كما أن الحكومة الجزائرية المؤقتة لم تكن تنافس حكومة وطنية مستقلة تشغل مقعد الجزائر في المنظمة الدولية.
أما تجربتا الجمهورية الصحراوية والحكومة التبتية في المنفى، فتؤكدان أن طول البقاء في الخارج والاعتراف الجزئي لا يكفيان، وحدهما، لتغيير موازين القوى على الأرض. كذلك تكشف تجارب المعارضة السورية والسلطات المتنافسة في ليبيا واليمن عن خطر تحول كيانات المنفى، في ظل الانقسام الداخلي والاعتماد على الدعم الخارجي، إلى واجهات لقوى إقليمية أو أطراف إضافية في النزاع، بدلاً من أن تصبح بديلاً وطنياً جامعاً.
في المقابل، اختارت حركات مثل المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، و”سوابو” في ناميبيا، والمقاومة التيمورية بناء حركات وطنية تمثيلية تصل الداخل بالخارج وتحشد الاعتراف والضغط الدوليين، من دون التعجل في إعلان حكومات مكتملة الأركان. وقد أسهم هذا النهج في عزل السلطات القائمة والتمهيد لانتقالات تفاوضية وانتخابية. وتقدم ناميبيا، على وجه الخصوص، نموذجاً أقرب إلى فكرة “الحركة الوطنية التمثيلية” منه إلى الحكومة الكاملة في المنفى؛ فقد اعترفت الأمم المتحدة بمنظمة “سوابو” ممثلاً أصيلاً للشعب الناميبي، وأسهمت في إعداد كوادر الدولة المستقلة، ثم أشرفت على انتخابات الجمعية التأسيسية عام 1989. وهكذا جمع النموذج الناميبي بين التمثيل السياسي والعمل الدبلوماسي وبناء القدرات والانتقال المنظم تحت رعاية أممية، من دون افتراض أن مجرد إعلان حكومة خارج البلاد كفيل بإنشاء السيادة أو ضمان الاعتراف الدولي.
وبصرف النظر عن أشكال كيانات المنفى ومسمياتها، تشير هذه التجارب إلى أن فاعلية أي كيان يعمل من الخارج تتوقف على تمثيله الحقيقي للقوى والمجتمعات في الداخل، واستقلال قراره، ووحدة قاعدته السياسية، وصلته التنظيمية بالوطن، وقدرته على حشد الاعتراف الدولي من دون الارتهان للقوى الخارجية.
البديل المتدرج: من مجلس تمثيلي إلى أمانة تنفيذية:
تأسيساً على استعراض التجارب التاريخية لكيانات المنفى، تبدو فكرة تأسيس “مجلس وطني مدني للسلام والانتقال الديمقراطي” الخيار الأكثر ملاءمة. وينتخب المجلس أمانة تنفيذية، أو “حكومة ظل وطنية”، تتولى تحويل هذا البرنامج إلى سياسات وخطط في مجالات السلام، والشؤون الإنسانية، والعلاقات الخارجية، وإعادة الإعمار، والعدالة، والإصلاح الدستوري، والخدمات الأساسية، والإعلام. ولا تدّعي هذه الهيئة في مرحلتها الأولى السيادة أو السيطرة الإقليمية، بل تكتسب الوزن من جودة برنامجها، وانتظام عملها، وشفافية تمويلها، وقدرتها على مخاطبة الداخل والعالم.
ويمكنها أن تطلب من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول المؤثرة الاعتراف بها، لا بوصفها “حكومة السودان”، بل باعتبارها المحاور المدني الديمقراطي الأوسع تمثيلاً على المستوى الوطني، والشريك الضروري في أي عملية للسلام والانتقال الديمقراطي. وهذا النهج أقرب إلى الدروس المستخلصة من تجربتي “سوابو” والمؤتمر الوطني الأفريقي. ولا ينبغي التفكير في تحويلها إلى حكومة مدنية مؤقتة إلا إذا استمر توازن الضعف بين الطرفين العسكريين، وبلغت هي، في المقابل، مستوى غير مسبوق من المتانة المؤسسية، وتعاظم القبول الدولي والأفريقي والعربي بها إلى حد يحول دون عزلها أو وصمها بأنها مشروع تقسيمي.
وعليه، فإن الدرس المحوري المستخلص من الحالة السودانية وتجارب كيانات المعارضة في المنفى هو أن الشكل الحكومي ينبغي أن يكون تتويجاً لشرعية وطنية جرى بناؤها، لا بديلاً عنها. والمطلوب أولاً توحيد القوى المدنية حول قضية وبرنامج، وبناء مؤسسة تمثيلية تصل الداخل بالخارج، وإثبات القدرة على إدارة شؤون الدولة. ومن هذه الزاوية، يمثل المجلس الوطني المقترح تفكيراً مفيداً خارج الأطر المألوفة، شريطة أن يكون مدخلاً لبناء بديل مدني ذي مصداقية، لا إضافة حكومة اسمية ثالثة إلى خريطة الانقسام السوداني.
——————————————-
(1) أنظر الرابط: https://www.facebook.com/share/p/1GZeAv2fCM/?mibextid=wwXIfr
(2) السودان أمام مفترق خطير.. القوى المدنية تكشف ما وراء وقف الحرب: من يملك الدولة ومن يقرر المستقبل؟: https://alghadalsudani.com/31981/
2

]]>
أديس أبابا والنداء الأخير: أسئلة مشروعة إلى الغائبين عن طاولة وقف الحرب https://sudantransition.org/%d8%a3%d8%af%d9%8a%d8%b3-%d8%a3%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%af%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1-%d8%a3%d8%b3%d8%a6%d9%84%d8%a9-%d9%85%d8%b4%d8%b1%d9%88%d8%b9.htm Tue, 25 Aug 2026 09:18:44 +0000 https://sudantransition.org/?p=1586 في لحظة تاريخية حرجة، يستمر فيها نزيف الدم وتتسع دائرة المعاناة الإنسانية، التقت قوى سياسية ومدنية سودانية مناهضة للحرب في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يومي 22 و23 أغسطس، في محاولة جادة لبناء جبهة مدنية واسعة وواعية، تسهم في وضع حد لهذه المأساة الوطنية، وتفتح أفقاً أمام حل سياسي شامل يعيد إلى السودان وحدته وسلامه واستقراره.

ضم الاجتماع ألواناً متعددة من الطيف السياسي والمدني السوداني؛ من القوى الموقعة على “إعلان المبادئ”، والأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حزب الأمة بتياراته المختلفة والمؤتمر الشعبي، إلى جانب الحركات المجتمعية والشبكات النسوية والشبابية. وكان من بين الحضور الشاعر الكبير عالم عباس، بحضوره البهي، متكئاً على عصاه كعروة بن الورد، يجسد معاني العدالة الاجتماعية في أبهى صورها، وينشد للسلام مثلما أنشد طويلاً للحرية والعدالة.

إن أي جهد يرمي إلى توحيد الخطاب المدني والمطالبة بوقف الحرب يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. غير أن النجاح الحقيقي لأي مبادرة وطنية يتوقف على مدى اتساع مظلتها، وقدرتها على استيعاب الرؤى المختلفة، وتجاوز الخلافات الثانوية من أجل الهدف الأكبر: وقف الحرب وإنقاذ الوطن.

ومن هذا المنطلق، لا بد من توجيه أسئلة مهمة ومباشرة إلى القوى السودانية التي تطالب بوقف الحرب، لكنها اختارت عدم المشاركة في هذا الاجتماع، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي السوداني وقوى التغيير الجذري:

أولاً: ما البديل العملي المتاح لوقف الحرب؟

إن مقاطعة الجهود الجامعة، أو الامتناع عن المشاركة فيها، يضع على عاتق الممتنعين مسؤولية تقديم بديل سياسي وعملي قادر على الإسهام في إنهاء هذه الكارثة. فإذا لم تكن طاولة أديس أبابا هي المساحة المناسبة، فما المنصة التوافقية التي ترونها قادرة على جمع القوى المناهضة للحرب وتوحيد موقفها؟ وما خطتكم العملية للضغط على طرفي النزاع من أجل وقف إطلاق النار؟

لا يكفي رفض المبادرات أو انتقادها، مهما كانت الملاحظات عليها مشروعة، من دون طرح بديل قابل للتحقق، وقادر على مخاطبة الواقع بكل تعقيداته.

ثانياً: هل نملك ترف الانتظار؟

إن إطالة أمد الحرب تعني مزيداً من القتل والتدمير والنزوح والتهجير، وانهياراً متواصلاً لمؤسسات الدولة والبنية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. وكل يوم يتأخر فيه توافق القوى المدنية يضاعف تعقيدات المشهد، ويُضعف الصوت الداعي إلى السلام في مواجهة صوت السلاح.

لقد تجاوزت الحرب مرحلة الصراع على السلطة، وأصبحت تهدد بقاء السودان نفسه: أرضاً وشعباً ودولة. ولذلك، فإن الانتظار أو التمترس خلف الخلافات القديمة لم يعد موقفاً سياسياً مأمون العواقب، بل أصبح مظهراً من مظاهر العجز المدني الذي يتيح لقوى الحرب الانفراد بتقرير مصير البلاد.

ثالثاً: ما حدود التباينات التي تمنع اللقاء؟

مهما بلغت الاختلافات الفكرية والأيديولوجية والسياسية بين القوى الوطنية، فإن الحفاظ على وحدة الوطن ووقف استنزاف الإنسان السوداني ينبغي أن يمثلا الحد الأدنى الذي تلتقي عنده جميع الإرادات.

ليس مطلوباً من أي طرف أن يتخلى عن رؤيته أو برنامجه، ولا أن يذوب في مشروع الآخرين؛ إنما المطلوب هو الاتفاق على أولويات عاجلة ومحددة: وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان، وتهيئة الطريق أمام عملية سياسية مدنية شاملة.

فإذا لم توحّدنا هذه الأولويات في أحلك لحظات تاريخنا، فما الذي يمكن أن يوحّدنا؟

كلمة “الميدان” وحوار البرهان

لقد اطلعت على كلمة صحيفة “الميدان” الصادرة في 22 أغسطس 2026، والمعنونة: “الحوار في زمن الحرب: أي سلام وأي ديمقراطية؟”، وهي كلمة مطولة كُرست في معظمها للرد على ما أُطلق عليه “حوار الداخل” أو “حوار البرهان”، الذي ترى الصحيفة أنه لن يؤدي إلا إلى تكريس الوضع الراهن وشرعنته، وربما تعميق الانقسام وتهيئة الطريق لتقسيم البلاد.

وهذا موقف يمكن تفهّم دوافعه ومناقشة حججه. غير أن اللافت أن ما جاء في الكلمة، سواء في جوهره أو أهدافه العامة، لا يختلف كثيراً عما انتهت إليه الورقة الصادرة عن اجتماع أديس أبابا، ولا سيما في رفض دعوة البرهان إلى حوار مضلل يسعى إلى شرعنة سلطة الأمر الواقع وتكريس الانقسام، والتحذير من إعادة إنتاج الحكم العسكري، والتأكيد على ضرورة وقف الحرب وإقامة سلام حقيقي يفضي إلى تحول مدني ديمقراطي.

وهنا يبرز السؤال: إذا كانت هناك هذه المساحة الواسعة من الاتفاق في تشخيص الأزمة وتحديد المخاطر، فلماذا ظل الحزب الشيوعي يرفض المشاركة في مثل هذه الاجتماعات التي كان يدعى إليها؟

كان في مقدور الحزب أن يحضر، وأن يعبّر من داخل الاجتماع عن ملاحظاته وتحفظاته، وأن يقدم رؤيته البديلة بوضوح، ويوصل صوته إلى القوى السياسية والمدنية المشاركة، وكذلك إلى المجتمعين الإقليمي والدولي. فالمشاركة لا تعني الموافقة المسبقة، ولا تستوجب التنازل عن المواقف المبدئية؛ بل تتيح فرصة للتأثير في مسار الحوار، وتطوير مخرجاته، وتصحيح ما يراه الحزب من أوجه قصور.

أما المقاطعة المتكررة، من دون تقديم منصة بديلة قادرة على جمع القوى المناهضة للحرب، فإنها تترك الساحة للآخرين كي يقرروا في غياب الحزب، وتحرمه من فرصة التأثير المباشر في صياغة المواقف والمبادرات.

وفي هذا السياق، لا بد من استحضار سيرة الراحل محمد إبراهيم نقد، الذي لم تمنعه خلافاته الفكرية والسياسية العميقة مع الدكتور حسن الترابي من أن يضع يده في يده، سعياً إلى تحقيق الإجماع الوطني. رحم الله نقد؛ فقد أدرك أن الحوار مع المختلف لا يعني التنازل عن المبادئ، وإنما قد يكون ضرورة تمليها مصلحة الوطن في لحظاته المفصلية.

نداء إلى الشركاء: لا بديل عن الحوار الشامل

إن دعوتنا إلى القوى الممتنعة ليست دعوة إلى الالتحاق بمشروع جاهز، أو التوقيع على أوراق أُعدت سلفاً، أو التخلي عن الرؤى والبرامج الخاصة. إنها دعوة مفتوحة إلى المشاركة في التأسيس وصناعة المشروع المشترك، وإلى الانتقال من موقع النقد والتحفظ إلى موقع الفعل والمبادرة.

إن الوطن يتسع للجميع، ولا مجال في هذه المرحلة الدقيقة لإقصاء أي طرف يرفض الحرب ويحمل همّ السودان. كما لا ينبغي لأي قوة وطنية أن تقصي نفسها بنفسها، أو تترك مقعدها شاغراً، ثم تعترض على القرارات التي تُتخذ في غيابها.

إن تقديم الرؤى والتصورات البديلة، حتى وإن اختلفت جذرياً مع بعض ما أفرزه اجتماع أديس أبابا، يمثل شرطاً أساسياً لبناء عملية سياسية ناضجة وتوافق وطني حقيقي. فالحوار لا يكون بين المتفقين وحدهم، وإنما تبرز قيمته الحقيقية عندما يجمع المختلفين حول الحد الأدنى الضروري لإنقاذ الوطن.

لسنا في حاجة إلى تحالفات جديدة بقدر حاجتنا إلى تفاهمات جديدة، تجمع القوى المدنية عند حد أدنى واضح: وقف الحرب، وحماية المدنيين، والمحافظة على وحدة السودان، واستعادة المسار المدني الديمقراطي، ومنع عودة النظام القديم أو إعادة إنتاج الاستبداد بأي صورة جديدة.

لقد دقت ساعة الاختيار: إما أن تتقدم القوى المدنية، مجتمعة، لتصنع طريق السلام والتحول الديمقراطي، وإما أن تواصل قوى الحرب والانقسام رسم مستقبل البلاد بقوة السلاح. والتاريخ لن يرحم من اختار الغياب في اللحظة التي كان فيها حضوره ضرورة وطنية.

نقلاً عن الراكوبة

]]>
قراءة في وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب؛ “عملية السلام التي نريد” https://sudantransition.org/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d9%83-%d9%84%d9%84%d9%82%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84.htm Tue, 25 Aug 2026 09:07:09 +0000 https://sudantransition.org/?p=1583 ■ ربما تكون أهم قيمة سياسية في وثيقة “عملية السلام التي نريد”، الصادرة اليوم ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ عن اجتماع القوى المناهضة للحرب وغير المصطفة مع أطرافها في أديس أبابا، أنها حاولت أن تنقل معسكر السلام من موقع الاعتراض على الحرب إلى موقع اقتراح البديل؛ ومن تكرار العبارة الصحيحة أخلاقياً “لا  للحرب” إلى السؤال الأصعب سياسياً؛ كيف تتوقف الحرب؟ ومن يفاوض من؟ وعلى ماذا؟ وتحت أي مظلة؟ وماذا يحدث في اليوم التالي لصمت البنادق وهذا، في تقديري، هو المدخل الصحيح لقراءة الوثيقة؛ لا باعتبارها بياناً سياسياً آخر يضاف إلى مئات البيانات التي أنتجتها سنوات الأزمة السودانية، وإنما باعتبارها محاولة أولية لصياغة “هندسة سلام” في مواجهة هندسة الحرب والأمر الواقع. وقد صدرت عقب اجتماعات أديس أبابا يومي ٢٢ و٢٣ أغسطس بمشاركة قوى إعلان المبادئ السوداني، وحزب المؤتمر الشعبي، وحزب الأمة، وشبكات نسوية وشبابية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات عامة.

■ أول ما يستوقفني في الوثيقة هو تعريفها للمشكلة قبل تقديم الحل. فالخلاف حول دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لما أسماه “الحوار السوداني السوداني” ليس، كما تحاول بعض الأصوات تصويره، خلافاً بين من يريدون الحوار ومن يرفضونه؛ فهذه صياغة مضللة للمسألة. السؤال ليس؛ هل نتحاور أم لا؟ السؤال هو؛ أي حوار؟ ومن يدعو إليه؟ وتحت أي شروط؟ وفي أي بيئة؟ ولأي غاية؟ وهنا أصابت الوثيقة في مقتل عندما فرقت بين “الحوار” و”عملية السلام”. فالسلام في بلد يعيش حرباً بهذا الحجم لا يبدأ بتجميع سياسيين في قاعة، ولا بتشكيل لجنة تحضيرية، ولا بتوزيع بطاقات الدعوة؛ وإنما يبدأ أولاً بإيقاف آلة الموت، وحماية المدنيين، وإدخال الغذاء والدواء، ثم بناء ترتيبات لوقف إطلاق النار، وفتح مسار سياسي يعالج الأسباب التي جعلت السودان ينتقل من حرب إلى حرب منذ استقلاله. وهذه ليست مجرد وجهة نظر نظرية؛ فالخماسية نفسها أعلنت في أبريل ٢٠٢٦ التزامها بحوار سياسي سوداني شامل يستهدف إنهاء الحرب ووضع أساس لانتقال سياسي سلمي، كما أكدت في مشاوراتها اللاحقة أن العملية ينبغي أن تكون سودانية القيادة والملكية.

■ أما أقوى ما جاء في رفض “حوار البرهان”، في تقديري، فهو حجة الجغرافيا السياسية للحوار. فالوثيقة تقول، بصورة شديدة الذكاء، إن عقد حوار قومي داخل مناطق سيطرة أحد طرفي الحرب وتحت سلطته ليس مجرد اختيار لمكان انعقاد الاجتماع؛ وإنما يحمل اعترافاً ضمنياً بخريطة السيطرة التي صنعتها الحرب.
وهذه مسألة أخطر كثيراً مما تبدو عليه.
لأن السودان اليوم لا يحتاج إلى “حوار مناطق سيطرة”؛ يحتاج إلى عملية تعيد إنتاج السودان باعتباره وطناً واحداً. فإذا أقام الجيش حواره داخل المساحة التي يسيطر عليها، وأقامت القوى الموجودة في مناطق الدعم السريع حوارها هناك، فإننا نكون قد انتقلنا دون أن نشعر من خطوط تماس عسكرية إلى حدود سياسية؛ ومن واقع عسكري مؤقت إلى شرعيات متنافسة. وهنا تحديداً يصبح رفض الحوار بهذه الصيغة دفاعاً عن وحدة السودان، وليس رفضاً لمبدأ الحوار.

■ لكن الوثيقة تذهب أبعد من ذلك عندما تضع مسارات ثلاثة متزامنة؛ الإنساني، ووقف إطلاق النار، والسياسي. وهذه، عندي، واحدة من أكثر نقاطها نضجاً. فقد ارتكب السودانيون والمجتمع الدولي مراراً خطأ التعامل مع هذه الملفات باعتبارها غرفاً منفصلة؛ يتحدث السياسيون في السياسة، والعسكريون في وقف إطلاق النار، والمنظمات في الإغاثة، ثم ننتظر بطريقة سحرية أن تلتقي النتائج في النهاية. لن يحدث ذلك. الجوع جزء من الحرب. والنزوح جزء من الحرب. والممر الإنساني جزء من معادلة السيطرة. ووقف إطلاق النار مرتبط بالترتيبات السياسية. والترتيبات السياسية لا يمكن أن تستقر ما لم توجد إجابة عن سؤال السلاح والدولة والجيش. ولهذا فإن ربط المسارات الثلاثة ليس مجرد ترتيب فني جيد، بل اعتراف بطبيعة الأزمة السودانية نفسها.

■ وأكثر ما أراه مهماً في الوثيقة أنها أعادت تعريف موقع العسكريين داخل العملية السياسية. فهي لم تقل بإقصاء القوات المسلحة والدعم السريع من عملية إنهاء الحرب؛ فهذا غير واقعي، لأن من يحمل السلاح ويقاتل لا يمكن توقيع وقف إطلاق نار من دونه. لكنها في المقابل لم تمنحهما حق تقرير مستقبل الدولة لمجرد أنهما يحملان السلاح. وهذا فرق بالغ الأهمية. فالجيش والدعم السريع طرفان ضروريان في مسار وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والمسائل الإنسانية المرتبطة بالحرب، ولكنهما لا ينبغي أن يتحولا بسبب امتلاكهما البنادق إلى جمعية تأسيسية تكتب دستور السودان وتحدد نظام حكمه وتختار حكومته.
بعبارة أخرى؛ من يملك السلاح يفاوض على إسكاته؛ لكنه لا يكتسب من السلاح حقاً إضافياً في تقرير شكل الدولة. وهذه واحدة من أهم القواعد التي ينبغي الدفاع عنها في أي عملية سلام قادمة.

■ لكن الوثيقة تدخل منطقة أكثر حساسية عندما تحدد الأطراف السياسية في ثلاثة اتجاهات؛ القوى المناهضة للحرب، والقوى المصطفة مع الجيش، والقوى المصطفة مع الدعم السريع. وأعتقد أن هذه الصياغة تحتاج مستقبلاً إلى قدر كبير من الضبط. فهي واقعية لأنها تعترف بأن المجتمع السياسي السوداني قد انقسم بالفعل بفعل الحرب، ولكن الخطر هو أن تتحول هذه التصنيفات من وصف لواقع مؤقت إلى حصص سياسية ثابتة. السودان أكبر من ثلاثة معسكرات. هناك لجان المقاومة، والنقابات، والقوى المهنية، والحركات الاجتماعية، والمجتمعات المحلية، والنساء والشباب، والنازحون واللاجئون، وسودانيو المهجر، وأعداد هائلة من المواطنين الذين لا ينتمون أصلاً إلى أي تنظيم سياسي. لذلك أحسنت الوثيقة عندما نصت على تمثيل هذه الفئات؛ لكن التحدي الحقيقي سيكون في كيفية تمثيلها، لا مجرد كتابة أسمائها في الوثيقة. فالشيطان السوداني يقيم دائماً في تفاصيل “من يمثل من؟”.

■ وتبقى قضية استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية واحدة من أكثر نقاط الوثيقة وضوحاً، وأكثرها إثارة للجدل أيضاً. الوثيقة لا تتعامل مع النظام السابق باعتباره مجرد حزب سياسي اختلف معه السودانيون في الانتخابات؛ وإنما باعتباره منظومة حكم أسقطتها ثورة ديسمبر بعد ثلاثين عاماً، ثم أعادت شبكاتها تنظيم نفسها داخل مؤسسات الدولة والمجال العسكري والأمني. ولهذا فإن السؤال هنا ليس سؤال حرية سياسية مجردة؛ بل سؤال؛ هل يجوز لعملية انتقال تنهي حرباً وتعيد تأسيس الدولة أن تعيد إنتاج القوة التي قامت الثورة أصلاً لإزالة نظامها؟ ومع ذلك، ينبغي التفريق بدقة بين تفكيك منظومة التمكين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ومنع التنظيمات المسلحة والواجهات التي تعمل لاستعادة النظام بالقوة، وبين تحويل الإقصاء إلى مبدأ مفتوح يمكن استخدامه مستقبلاً ضد أي خصم سياسي. فالعدالة يجب أن تكون مؤسسة على القانون والمسؤولية الفردية والمؤسسية والأفعال، لا على الانتقام السياسي. وهذه نقطة تحتاج الوثيقة إلى تطويرها في مراحلها اللاحقة.

■ أما في ملف الوساطات الخارجية، فالوثيقة تتقدم خطوة سياسية مهمة للغاية. فهي لا تكتفي بإعلان التأييد لخارطة طريق الرباعية الصادرة في ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥، وإنما تحاول تحديد العلاقة بين الرباعية والخماسية والترويكا. وهذا مهم لأن أزمة السودان لم تعد تعاني فقط من تعدد أطراف الحرب؛ بل من تعدد مطابخ السلام أيضاً. والرباعية ـ الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات ـ طرحت في سبتمبر ٢٠٢٥ مساراً يبدأ بهدنة إنسانية لثلاثة أشهر تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار ثم عملية انتقالية شاملة، وهو ما يفسر اعتبار الوثيقة لها المرجعية الأفضل المتاحة حالياً. وفي المقابل، تتكون الخماسية من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وإيغاد، وقد كثفت بالفعل مشاوراتها مع القوى السودانية خلال ٢٠٢٦ سعياً إلى بناء عملية سياسية أوسع. بل إن تقريراً أممياً صدر هذا العام وصف الوظيفة المختلفة للمسارين بوضوح؛ الرباعية تكثف جهود الهدنة الإنسانية، بينما تعمل الخماسية على تعزيز التماسك حول العملية السياسية الأوسع وتسوية النزاع. وهنا تضع الوثيقة يدها على علة مزمنة في الوساطات السودانية؛ تعدد المنابر. فكلما تعددت المنابر تعددت فرص أطراف الحرب في المناورة بينها. وكلما اختلف الوسطاء بحث كل طرف سوداني عن الوسيط الأقرب إلى موقفه. وبذلك يتحول المجتمع الدولي، بدلاً من أن يكون قوة ضغط لإنهاء الحرب، إلى سوق دبلوماسية يختار منها المتحاربون العرض الأنسب. ولهذا فإن الدعوة إلى إطار منسق يجمع الرباعية والخماسية والترويكا ليست تفصيلاً دبلوماسياً؛ ربما تكون أحد أهم شروط نجاح أي تسوية قادمة.

■ لكن لدي ملاحظة جوهرية على الوثيقة كلها. فهي قوية جداً في الإجابة عن سؤال؛ ما عملية السلام التي نريد؟ لكنها أقل تفصيلاً في الإجابة عن السؤال الأصعب؛ كيف نفرض هذه العملية على من لا يريدونها؟ فالسلام لا ينتصر لأنه أكثر أخلاقية من الحرب. ولا تتوقف المدافع لأن وثيقة سياسية جيدة أثبتت أن وقفها أكثر عقلانية. هناك مصالح ضخمة نشأت حول الحرب؛ سلطات، وأموال، وموارد، وشبكات اقتصادية، ونفوذ إقليمي، ومليشيات، وقادة صنعتهم الحرب وربما ينتهي مستقبلهم السياسي بانتهائها. ومن هنا فإن الوثيقة تحتاج في مرحلتها التالية إلى الانتقال من تصميم عملية السلام إلى استراتيجية صناعة ميزان القوى الذي يجعل السلام ممكناً. كيف يُبنى الضغط الشعبي؟ كيف تُوحّد القوى المناهضة للحرب؟ كيف يجري التعامل مع داعمي الطرفين إقليمياً؟ ما أدوات العقوبات والمساءلة الدولية؟ ما الضمانات لتنفيذ وقف إطلاق النار؟ من يراقبه؟ ومن يعاقب من يخرقه؟ وكيف نمنع المتحاربين من استخدام الهدنة لإعادة التسليح والتموضع ثم العودة إلى الحرب؟ هذه ليست أسئلة جانبية؛ هذه هي المسافة بين الوثيقة والواقع.

■ كما أن أجندة العملية السياسية الواردة في الوثيقة واسعة جداً؛ وربما أوسع مما تحتمله مفاوضات إنهاء حرب. نظام الحكم، والدين والدولة، والهوية، والمواطنة، والعدالة، والجيش، والأرض، واللاجئون، والإعمار، والتعليم، والصحة، والدستور، والانتخابات، والفترة الانتقالية. كلها قضايا حقيقية ومهمة. لكن محاولة حل كل سؤال تاريخي سوداني داخل طاولة واحدة قد تحول عملية السلام نفسها إلى مؤتمر تأسيسي بلا نهاية. ولذلك أعتقد أن التحدي سيكون في ترتيب الأولويات: ما الذي يجب الاتفاق عليه لإنهاء الحرب؟ وما الذي يجب الاتفاق عليه لإدارة الانتقال؟ وما الذي ينبغي تركه للسودانيين في عملية دستورية ديمقراطية أوسع بعد استعادة الدولة؟ فليس من الحكمة أن نحاول حل أزمة السودان منذ سنار إلى اليوم قبل أن نوقف المدفع الذي يقتل السودانيين هذا المساء.

■ ومع ذلك، فإن القيمة الكبرى لهذه الوثيقة أنها تعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي. لا البرهان يملك وحده حق تحديد من يتحاور. ولا حميدتي يملك حق صناعة مستقبل سياسي من واقع سيطرته العسكرية. ولا القوى المدنية ينبغي أن تنتظر دعوة من صاحب بندقية لكي تصبح طرفاً في تقرير مستقبل وطنها. ولا المجتمع الدولي ينبغي أن يقرر للسودانيين شكل دولتهم. المعادلة التي تقترحها الوثيقة، في جوهرها، بسيطة رغم تعقيد تفاصيلها؛ العسكريون ينهون الحرب، والمدنيون يصنعون السياسة، والشعب يقرر في النهاية شكل الدولة. وهذا هو الترتيب الذي قلبته التجربة السودانية مراراً؛ فأصبح حامل البندقية يحدد السياسة، ثم يدعو المدنيين لاحقاً ليمنحوه الشرعية.

■ ولعل أكثر ما ينبغي البناء عليه بعد أديس أبابا هو أن اجتماع القوى المناهضة للحرب لا يتحول إلى نادٍ سياسي جديد، ولا إلى تحالف آخر يضاف إلى قائمة التحالفات السودانية التي تبدأ كبيرة ثم تنقسم حول الأسماء والمقاعد والتمثيل. قيمته الحقيقية ستكون في قدرته على توسيع قاعدة السلام. أن يصل إلى الناس داخل السودان. إلى غرف الطوارئ. إلى النقابات، إلى النساء، إلى الشباب، إلى النازحين واللاجئين،  إلى المجتمعات التي دفعت ثمن الحرب ولم تُدعَ يوماً إلى طاولات السياسة، وأن يتحول شعار “عملية السلام التي نريد” من وثيقة وقعتها النخب في أديس أبابا إلى مطلب شعبي داخل السودان نفسه.

■ في تقديري، نحن أمام وثيقة مهمة، ليست كاملة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها نصاً مقدساً أو وصفة نهائية للحل؛ لكنها تتفوق على كثير مما طُرح خلال السنوات الماضية لأنها تبدأ من السؤال الصحيح: كيف ننهي الحرب دون أن نمنح الحرب حق صناعة المستقبل وهذا هو جوهر المعركة السياسية القادمة. فالخطر على السودان لم يعد فقط استمرار القتال. الخطر الأكبر أن تنتهي الحرب ذات يوم، ثم نكتشف أن البنادق التي دمرت الوطن هي نفسها التي جلست لتصميم الوطن الجديد. لهذا فإن “عملية السلام التي نريد” ينبغي ألا تعني فقط وقف إطلاق النار؛ وإنما تغيير المعادلة التي أنتجت الحرب أصلاً؛ دولة لا يعلو فيها جيش على إرادة شعب، ولا مليشيا على الدولة، ولا تنظيم على الوطن، ولا بندقية على السياسة. وعندما يتحقق ذلك فقط نستطيع القول إننا لم نوقف حرب الخامس عشر من أبريل فحسب؛ بل بدأنا أخيراً في إغلاق الباب الذي ظلت حروب السودان تدخل منه واحدة بعد أخرى.

نقلاً عن الراكوبة

]]>
التجاهل الإعلامي أحد أفتك أسلحة حرب السودان https://sudantransition.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85%d9%8a-%d8%a3%d8%ad%d8%af-%d8%a3%d9%81%d8%aa%d9%83-%d8%a3%d8%b3%d9%84%d8%ad%d8%a9-%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84.htm Wed, 19 Aug 2026 10:53:29 +0000 https://sudantransition.org/?p=1522 فاضل المناصفة

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023 لم يعد الحديث عن أزمة سياسية عابرة أو خلاف على السلطة بين فصيلين عسكريين متنافسة وإنما عن حرب مفتوحة تدفع البلاد تدريجياً نحو واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم في وقت يبدو فيه الاهتمام الدولي بهذه المأساة أقل بكثير من حجم ما يحدث على الأرض وكأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة مزمنة لا تستحق سوى بيانات الإدانة واجتماعات دورية في نيويورك وجنيف بينما يواصل السودانيون دفع الثمن من حياتهم وأمنهم ومستقبلهم.

النزاع المسلح على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع دخل عامه الرابع ولم تعد آثاره محصورة في الخرطوم أو دارفور بل امتدت إلى مناطق واسعة من البلاد وأنتجت واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، فيما انهارت قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات الصحية والتعليمية وأصبح الحصول على الغذاء والماء والرعاية الطبية بالنسبة إلى ملايين السودانيين معركة يومية لا تقل قسوة عن المعركة التي تدور بالأسلحة.

ولعل التحذير الذي أطلقه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بشأن مدينة الأبيض في يوليو/تموز الماضي يعكس حجم الخطر الذي يقترب منه السودان بعدما وصف الوضع هناك بأنه “إنذار أحمر” وحذر من أن المدنيين يواجهون خطراً متزايداً في مدينة تمثل مركزاً تجارياً ولوجستياً مهماً وأصبحت منذ فترة طويلة جزءاً من خريطة المواجهات العسكرية المتصاعدة.

وقد وثقت الأمم المتحدة عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة على الأبيض ومحيطها أدت إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين في مشهد يعيد طرح السؤال نفسه: إلى أي حد يمكن أن يستمر العالم في مشاهدة هذه الحرب من بعيد دون أن يتحول تحذيره إلى فعل حقيقي؟

المشكلة في السودان ليست صعوبة الوصول الى أماكن النزاع لتغطية ما يحدث فالمعلومات موجودة وتقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية ووكالات الأنباء توثق يومياً حجم الانتهاكات كما أن صور النزوح والجوع والدمار تصل إلى العواصم الغربية ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يعرف العالم ما يحدث في السودان؟ وإنما لماذا لا يتحول هذا الإدراك إلى مستوى من الاهتمام السياسي والإعلامي يتناسب مع حجم الكارثة؟

عندما نتحدث عن ملايين النازحين واللاجئين وعن مناطق تعاني من المجاعة وانعدام الأمن الغذائي وعن مدن تتعرض للقصف والحصار وعن انتهاكات واسعة ضد المدنيين فإننا لا نتحدث عن أزمة هامشية يمكن وضعها في أسفل جدول الأعمال الدولي أو في آخر قائمة مواضيع النشرات التلفزية بل عن مأساة إنسانية يفترض أن تكون في مقدمة القضايا التي تشغل الحكومات ووسائل الإعلام والمؤسسات الدولية خصوصاً أن استمرار الحرب لا يعني فقط سقوط المزيد من الضحايا وإنما يعني أيضاً انهيار ما تبقى من قدرة الدولة السودانية على توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها.

ربما لا توجد مقارنة أكثر إثارة للأسئلة من المقارنة بين الطريقة التي تعامل بها العالم مع الحرب في أوكرانيا والحرب في السودان ليس لأن مأساة الأوكرانيين أقل أهمية بل على العكس تماماً وإنما لأن الفرق في حجم الحضور الإعلامي والسياسي يكشف بوضوح أن العالم قادر على التحرك عندما تصبح أزمة ما أولوية بالنسبة إليه وقادر أيضاً على منح اللاجئين مساحة واسعة من الاهتمام والدعم عندما تتوفر الإرادة السياسية لذلك.

في أوكرانيا شاهد العالم الحرب بصورة شبه يومية وتحولت قضية اللاجئين إلى ملف سياسي وإنساني رئيسي وفتحت دول أوروبية أبوابها أمام ملايين الفارين من الحرب بينما أصبحت المساعدات العسكرية والاقتصادية والإنسانية لأوكرانيا جزءاً ثابتاً من أجندة الحكومات الغربية وأصبحت تفاصيل المعارك والدمار والنزوح حاضرة بصورة مستمرة في الإعلام.

وفي غزة ورغم الانقسام السياسي الكبير حول الحرب ومسؤولية أطرافها لم تغب المأساة الإنسانية عن المشهد الإعلامي العالمي بل أصبحت صور الأطفال والنازحين والدمار والمستشفيات والجوع جزءاً من النقاش السياسي اليومي في عواصم كثيرة حول العالم ودفعت الاحتجاجات الشعبية والضغط الإعلامي والسياسي الحكومات إلى إعادة النظر في مواقفها في بعض الحالات.

أما في السودان الذي يواجه حرباً مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات فقد بدا في أوقات كثيرة وكأنه يعيش مأساة خارج دائرة الضوء رغم أن حجم النزوح والدمار والانتهاكات يجعل من الصعب فهم هذا التفاوت في الاهتمام.

وهنا لا يمكن للمرء إلا أن يسأل: ما هو ذنب السودانيين حتى يصبح موتهم أقل حضوراً في الإعلام وحتى تتحول معاناتهم إلى خبر عابر في نشرات الأخبار بينما تستمر الحروب الأخرى في احتلال ساعات طويلة من البث والتحليل والبرامج السياسية؟ لماذا تتباهى احدى كبريات الفضائيات العربية بنصرة القضايا العادلة لكنها تغض النظر عما يحدث من انتهاكات فضيعة في بلد عربي أم ان المواقف السياسية الرسمية هي من تتولى إدارة غرفة الأخبار وتفرض ترك “مسافة الأمان”؟

ميدل ايست اونلاين

 

]]>
مناقشة حول استدعاء البرهان لتشرشل https://sudantransition.org/%d9%85%d9%86%d8%a7%d9%82%d8%b4%d8%a9-%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%af%d8%b9%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d9%87%d8%a7%d9%86-%d9%84%d8%aa%d8%b4%d8%b1%d8%b4%d9%84.htm Tue, 18 Aug 2026 06:44:42 +0000 https://sudantransition.org/?p=1498 في خطابه بمناسبة ذكرى سودنة القوات المسلحة، استدعى الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونستون تشرشل – رئيس الوزراء البريطاني الأسبق – في موضعين متصلين؛ فنسب إليه أولاً قولاً شبّه فيه من لا يتحملون الحرب بقوم موسى الذين “لا يصبرون على طعامٍ واحد”، وأنهم “يريدون الرفاهية في اللحظة التي يطلب فيها التاريخ الشجاعة”. ولم أقف، فيما تيسّر لي من معلومات – وفوق كل ذي علمٍ عليم – على مصدر موثوق يثبت نسبة هذا القول إلى تشرشل، ولذلك أتعامل هنا مع المعنى الذي أراده البرهان، لا مع صحة نسبته التاريخية. ثم انتقل إلى موقف تشرشل خلال الحرب، قائلاً إنه رفع شعار “لن نيأس ولن نستسلم”، ومشبِّهاً ما يتعرض له السودان اليوم بما تعرضت له بريطانيا آنذاك؛ في إشارة إلى عبارته الشهيرة: “Never give in, never give in, never, never, never”، التي قالها في خطابٍ ألقاه بمدرسة هارو في أكتوبر ١٩٤١.

وقد قرأت، بعد الفراغ من إعداد هذه المقالة، مقالاً للأستاذ بابكر فيصل تناول فيه استدعاء تشرشل من زاوية أخرى، مستخلصاً دلالات مهمة من تجربته السياسية بعد الحرب؛ أما ما أتناوله هنا فهو مدى استقامة المقارنة بين السياق البريطاني آنذاك والواقع السوداني الراهن.

وأود أن أتوقف عند هذين الاستدعاءين بمناقشة، أرجو أن يتسع لها صدر الفريق أول البرهان ومن يوافقونه؛ فهي مناقشة للفكرة وما تنهض عليه من مقارنة، لا مصادرة على حق أحد في أن يرى الحرب من الموقع الذي يقف فيه.

تفسير البرهان للدعوة لإيقاف الحرب بأنها طلبٌ للرفاهية في لحظة تستدعي الشجاعة يستحق وقفةً أولى؛ فالحرب لم تترك لكثير من السودانيين رفاهيةً يطلبونها أصلاً، بل غدا الحصول على “طعامٍ واحد” عسيراً على كثيرٍ منهم، فضلاً عن أشكال المعاناة الأخرى؛ وقد واجهوا ذلك بصبرٍ وتكافلٍ لا يحتاجان إلى شهادة. فالتطلع إلى إيقاف حربٍ أنهكت البلاد والعباد ليس قلةً في الصبر ولا نقيضاً للشجاعة، بل موقفٌ أخلاقي وإنساني يسعى إلى تخليص السودانيين من ويلاتها ووطنهم من تداعياتها. وعليه، فإن الشجاعة التي يحتاجها السودان اليوم هي شجاعة البحث عن الطريق الذي يوقف الحرب ويعالج أسبابها.

أما استدعاء تشرشل في معنى الصمود وعدم الاستسلام، فلا غضاضة فيه من حيث المبدأ؛ فالتاريخ يُستدعى بحثاً عن العبرة واستنهاضاً للهمم. لكنَّ التاريخ قَلَّما يمنح نفسه بسخاء لمن يطلبه شاهداً؛ فالمقارنة بين لحظتين تاريخيتين لا تستقيم من دون تقاربٍ في الظروف والوقائع، وانتباهٍ إلى ما بينهما من فوارق. وهنا تبدو الفوارق أكبر من أوجه الشبه. فالاستدعاء لا يقف عند كلمات تشرشل عن الصمود، بل يستصحب معها، ولو ضمناً، مسرحاً تاريخياً كاملاً ويسقطه على الحاضر السوداني.

لكنَّ حرب السودان الحالية لم تهبط عليه من خارجه، وإنما تفجَّرت داخله كأوضح تجلٍّ لأزمة وطنية ممتدة منذ الاستقلال، ظل خلالها سؤال بناء دولةٍ تسع الجميع شاخصاً بلا إجابة. فقد تَعثَّر التوافق على عقدٍ اجتماعي جامع، وتَواصَل العجز عن إدارة التنوع، فيما طغى الحضور العسكري على معظم سنوات الحكم الوطني. وكان لنظام الإنقاذ، خلال ثلاثين عاماً، القدح المُعلَّى في تعميق هذه الأزمة، بما أرساه من تمكين حزبي وعسكرة للسياسة وإضعاف لمؤسسات الدولة، وما تفاقم في عهده من ظاهرة تعدد الجيوش وتمدد البندقية على حساب السياسة.

ومن رحم هذا المسار اندلعت الحرب الحالية؛ على خلفية خلافاتٍ تطورت إلى استقطاب حاد بين طرفين من المنظومة العسكرية الرسمية للدولة، كانا شريكين في سلطة الثورة الانتقالية قبل أن ينقلبا عليها معاً في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١. وتشهد على ذلك وقائع أشهرها الأولى؛ فقد وصفها البرهان بأنها “حرب عبثية” ودعا إلى إيقافها، وظل الفريق حميدتي نائباً لرئيس مجلس السيادة لأكثر من شهر بعد اندلاع القتال، كما احتفظت قوات الدعم السريع بوضعها القانوني إلى أن صدر قرار حلها وإلغاء قانونها في سبتمبر ٢٠٢٣. وظلت القوى التي تُعرف اليوم بـ “القوات المشتركة” على موقف الحياد والدعوة إلى إيقاف الحرب حتى نوفمبر من العام نفسه. ولا ينفي ذلك أن استمرار الحرب واتساعها فتحا، لاحقاً، أبواباً لتدخلات خارجية متباينة زادت مشهدها تعقيداً. لكن، عند ردِّ الأزمة السودانية والحروب التي أفرزتها – بما فيها الحرب الحالية – إلى أصولها، يتبدّى أن منشأها الأساسي داخلي، كما أن مفاتيح حلِّها كامنةٌ في هذا الداخل المأزوم.

وثمة فارق جوهري آخر: تشرشل لم يكن قائداً للجيش يحكم بريطانيا أثناء الحرب، بل كان سياسياً مدنياً على رأس حكومة مسؤولة أمام برلمان منتخب، وكان الجيش أداةً للدولة، لا مصدراً لسلطتها. أما في السودان، فنحن أمام واقع مختلف، تتصدر فيه القيادة العسكرية بنية السلطة القائمة، في غياب المؤسسات الدستورية المنتخبة أو المُتوافَق عليها.

ولعل الأجدر بالاستدعاء من تاريخ بريطانيا في عهد تشرشل ليس عبارته عن الصمود، بل طبيعة الدولة التي كان يتحدث باسمها: دولة ظلت السياسة فيها صاحبة الكلمة المعبرة عن الشعب، والجيش خاضعاً لسلطتها، وقرار الحرب والسلام من صميم مسؤولية مؤسساتها. وتلك، في جوهرها، بعض أسئلة السودان المؤجلة منذ الاستقلال: كيف نبني دولةً تحتكر السلاح ولا يحتكرها، تحكمها السياسة ولا تحكمها البندقية، وتظل تسوية التناقضات والاختلافات في مجتمعها – مهما اشتدّت – في ميادين السياسة وآلياتها الديمقراطية، لا في ميادين الحرب وغلبة السلاح؟
وأول استحقاقات ذلك هو اعتماد خيار الحلِّ السلمي التفاوضي، الذي لا يقف عند الهدنة الإنسانية – المطلوبة بإلحاح للاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين – بل يتعداها إلى فتح الطريق لمعالجة جذور الأزمة الوطنية، بما يزيل أسباب تجدُّد الحروب – مرةً وإلى الأبد – ويؤسِّس لسلامٍ مستدام، وتحولٍ مدني ديمقراطي، وبناءٍ وطني جديد على أسسٍ مُتوافَق عليها.

]]>