مواجهة التضليل – التحــوّل https://sudantransition.org الديمقراطية لا تـعيش في الظــلام Sun, 06 Sep 2026 09:07:25 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=7.1 https://sudantransition.org/wp-content/uploads/2026/04/cropped-Gemini_Generated_Image_h7t03ph7t03ph7t0-32x32.png مواجهة التضليل – التحــوّل https://sudantransition.org 32 32 عندما تصبح الصحافة جزءاً من الاستجابة الإنسانية: ماذا نتعلم من العالم؟ وماذا يعني ذلك للسودان؟ https://sudantransition.org/%d8%b9%d9%86%d8%af%d9%85%d8%a7-%d8%aa%d8%b5%d8%a8%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%ac%d8%b2%d8%a1%d8%a7%d9%8b-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ac%d8%a7%d8%a8%d8%a9.htm Sun, 06 Sep 2026 09:07:25 +0000 https://sudantransition.org/?p=1851  

في الأزمات، نتحدث كثيراً عن الغذاء والدواء والمياه والمأوى.

لكن هناك احتياجاً آخر قد لا يظهر في قوائم المساعدات بنفس الوضوح:

المعلومة الموثوقة.

تقرير حديث لليونسكو بعنوان The Value of Journalism يقدم أدلة عالمية على أن الصحافة المستقلة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في الاستجابة للكوارث، والوصول إلى المساعدات، ومواجهة التضليل، وتعزيز المساءلة.

ومن أكثر الأمثلة لفتاً للنظر أن دراسة شملت 2,337 كارثة وجدت ارتباطاً بين التغطية الصحفية وحجم الاستجابة الرسمية؛ إذ قُدّر أن كل قصة إضافية في New York Times ارتبطت بنحو 500 ألف دولار إضافية من المساعدات الرسمية.

قد يبدو الرقم بعيداً عن واقع السودان.

لكن الفكرة ليست في الصحيفة الأمريكية.

الفكرة في قوة المعلومة عندما تصل إلى المكان الصحيح.

تجربة بوركينا فاسو: عندما تتحول الإذاعة إلى تدخل صحي

في بوركينا فاسو، أظهرت الأدلة التي استند إليها تقرير اليونسكو أن البرامج الإذاعية التي تناولت مخاطر الملاريا والالتهاب الرئوي والإسهال لدى الأطفال ساعدت في زيادة توجه مقدمي الرعاية إلى المراكز الصحية، وارتبطت بانخفاض سنوي في وفيات الأطفال دون الخامسة قُدّر بمتوسط 7.15%، مع تقدير إنقاذ نحو 2,967 طفلاً.

هنا لا نتحدث عن صحافة تكتب عن الصحة فقط.

نحن أمام اتصال إعلامي ساهم في تغيير السلوك الصحي والنتائج الصحية.

تجربة نيبال: الراديو عندما تنقطع كل الأشياء الأخرى

بعد الزلازل، والفيضانات، والانهيارات الأرضية في نيبال، لعبت الإذاعات المجتمعية دوراً مختلفاً تماماً.

لم تكن مهمتها فقط إخبار الناس بما حدث.

كانت تنقل معلومات عن الإنقاذ والإغاثة والصحة والنظافة والمياه والمأوى، وتساعد في ربط المجتمعات المتضررة بالجهات التي تستطيع تقديم المساعدة.

وفي بعض المناطق، استمرت الإذاعات في العمل من أماكن مؤقتة، بل دعمت اليونسكو استمراريتها بالمعدات بعد الزلزال.

هذه نقطة مهمة جداً للسودان.

عندما تنهار شبكات الاتصال، وتنقطع الكهرباء، ويتعذر الوصول إلى المناطق المتضررة، لا تختفي الحاجة إلى المعلومات.

بل تصبح أكبر.

والآن… السودان

هنا تصبح المسألة أكثر إلحاحاً.

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يتعرض السودان لأزمة إنسانية فقط.

تعرض أيضاً لأزمة معلومات.

وفق اليونسكو، وثقت نقابة الصحفيين السودانيين منذ بداية الحرب مقتل 32 صحفياً و556 انتهاكاً ضد العاملين في الإعلام، فيما توقفت العديد من الصحف والمحطات الإذاعية عن العمل.

وتشير اليونسكو كذلك إلى أن نحو 90% من البنية التحتية الإعلامية في السودان دُمّرت، الأمر الذي ساهم في خلق فراغ معلوماتي واسع وانتشار التضليل والدعاية الحربية.

وهنا تظهر واحدة من أخطر مفارقات الحرب:

كلما ازدادت حاجة الناس إلى المعلومات الموثوقة، أصبحت القدرة على إنتاجها ونقلها أكثر ضعفاً.

النازح يحتاج أن يعرف أين توجد الخدمة الصحية.

الأم تحتاج إلى معلومة صحيحة عن اللقاح أو الوباء.

المجتمع يحتاج إلى معرفة أين تتوفر المياه أو الغذاء.

المنظمات الإنسانية تحتاج إلى معلومات دقيقة عن الاحتياجات.

والسلطات تحتاج إلى معرفة ما يحدث فعلياً على الأرض.

لكن عندما تصبح المناطق المتضررة خارج التغطية الإعلامية، أو عندما يخاف الصحفي من الوصول إليها، أو عندما تنقطع الاتصالات، يتحول غياب المعلومة إلى جزء من الأزمة نفسها.

الصحفي السوداني ليس مجرد ناقل خبر

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف دور الصحافة في الاستجابة الإنسانية السودانية.

الصحفي الميداني يمكن أن يكون:

عيناً على الاحتياجات.

جسراً بين المجتمع والمنظمات الإنسانية.

وسيلة لمواجهة الشائعات.

أداة للمساءلة.

ومنصة لإيصال صوت المجتمعات التي لا تستطيع الوصول إلى صناع القرار.

والأهم أنه يستطيع أن يجعل الأزمة مرئية.

وهذا أمر بالغ الأهمية في أزمة تخشى أن تتحول إلى “حرب منسية”.

اليونسكو نفسها كرمت في مايو 2026 نقابة الصحفيين السودانيين بجائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة، تقديراً لدورها في توثيق الانتهاكات والاستمرار في تقديم المعلومات للسكان رغم العنف والنزوح والقيود الشديدة على العمل الصحفي.

ماذا يمكن أن نتعلم؟

التجارب الدولية لا تقول إن الصحافة تحل الكوارث.

لكنها تقول شيئاً أكثر واقعية:

الاستجابة الإنسانية تصبح أقوى عندما تكون هناك منظومة معلومات قوية وموثوقة وقريبة من المجتمع.

لذلك، دعم الإعلام في السودان يجب ألا يُعامل باعتباره ملفاً منفصلاً عن العمل الإنساني.

نحتاج إلى الاستثمار في:

– الإعلام المحلي والمجتمعي، خصوصاً الإذاعات.
– تدريب الصحفيين على التغطية الإنسانية والصحية.
– السلامة الرقمية والميدانية للصحفيين.
– أنظمة للتحقق من المعلومات ومواجهة التضليل.
– منصات تربط الصحفيين والمنظمات الإنسانية بالمجتمعات المتضررة.
– دعم الصحفيين النازحين والمنفيين ليستمروا في العمل.
– إنتاج محتوى صحي وإنساني بلغات ولهجات تصل فعلاً إلى المجتمعات.
– بناء شبكات إعلامية تستطيع العمل حتى أثناء انقطاع الإنترنت والكهرباء والاتصالات.

والأهم:

يجب ألا تتحول الصحافة إلى ذراع دعائي لأي طرف.

اليونسكو تؤكد أهمية الحفاظ على استقلال الصحافة ومهنيتها حتى أثناء الأزمات؛ فالإعلام المستقل يختلف عن الاتصال الدعائي أو رسائل تغيير السلوك التي تصدرها الجهات الرسمية والإنسانية. قوته الأساسية تأتي من قدرته على التحقق، وطرح الأسئلة، ونقل ما يحتاج الناس إلى معرفته وما يحق لهم معرفته.

السودان لا يحتاج فقط إلى مزيد من الأخبار

يحتاج إلى بنية تحتية للمعلومة.

بنية تستطيع أن تعمل عندما تنهار البنية التحتية الأخرى.

ففي نيبال، رأينا كيف أصبحت الإذاعة المجتمعية شرياناً للمعلومات بعد الكارثة.

وفي بوركينا فاسو، رأينا كيف يمكن للمحتوى الإعلامي أن يؤثر في السلوك الصحي.

وفي أزمات مختلفة حول العالم، أثبتت الصحافة أن كشف الاحتياجات يمكن أن يحرك الموارد والاستجابة.

أما السودان، فلديه صحفيون يدفعون ثمناً هائلاً لكي لا تختفي الحقيقة.

لذلك ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس:

“كيف ندعم الإعلام السوداني؟”

بل:

“كيف نضمن ألا يصبح غياب الإعلام الموثوق جزءاً آخر من الكارثة الإنسانية في السودان؟”

لأن المعلومة في زمن الحرب ليست رفاهية.

أحياناً تكون المعلومة نفسها جزءاً من عملية الإنقاذ.

]]>