
الخرطوم : التحول
قدر خبراء اقتصاد ومصرفيون حجم الأموال المغسولة بالبلاد بنحو 120 مليار دولار خلال الثلاث سنوات الماضية،وأشاروا إلى ان الفجوة الاحصائية نفسها هى “القصة”حيث لاتوجد ارقام رسمية ودقيقة صادرة من الجهات المختصة عن حجم غسل الاموال ذاته،لكنهم حذروا فى الوقت نفسه أضرار الأموال القذرة التي احدثت خللاً كبيراً في الاقتصاد،واكدوا ان جرائم غسيل الاموال انعكست على الاقتصاد والمجتمع السوداني بآثار كارثية واضحة، فقد أدت إلى تراجع الثقة في النظام المصرفي وتسببت في أضرار بالغة بمناخ الاستثمار وتشويه المنافسة بين الشركات، واعتبروا الذهب القناة الأخطر لغسيل الأموال، إذ يقدر أن ما بين سبعين إلى ثمانين في المائة من الإنتاج السنوي يهرّب عبر الحدود إلى مصر وتشاد وليبيا وصولًا إلى الإمارات.
ورغم ان أبنك السودان المركزي عمل على تحديث ضوابط جديدة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب فى يناير من العام الحالي، تضمنت أكثر من 60 إجراءً، في خطوة تهدف إلى تعزيز الرقابة المصرفية ومواكبة المعايير الدولية ،الا ان مختصون وصفوا الخطوة بانها تفتقر الى الاليات المركزية فى ظل استمرار الحرب وعدم وجود استقرار سياسي مجتمعى،ووجه بنك السودان المركزي عبر منشور جميع المؤسسات الخاضعة لرقابته،تضمن ضوابط محدثة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح،وذلك في إطار تعزيز الرقابة المصرفية ومواكبة المعايير الدولية، وشددت الضوابط الجديدة على تطبيق منهج قائم على المخاطر يلزم المؤسسات المالية بتقييم وتحديث مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب مرتين سنويًا، مع تصنيف العملاء والمعاملات وفق مستويات المخاطر (مرتفع، متوسط، منخفض)، واتخاذ تدابير مشددة للحالات عالية الخطورة.
ويؤكد وليد دليل الخبير المصرفي انه لا توجد أرقام رسمية سودانية دقيقة عن حجم غسل الأموال ذاته وهذا نمط متكرر تؤكده حتى تقارير مصرفية سودانية لا توجد إحصاءات رسمية موثقة عن حجم الأضرار والتخريب والخسائر التي تعرض لها النظام المصرفي والبنكي،رغم أن شهودًا وتقارير صحفية توثق تفاصيل الوقائع. هذا الغياب نفسه مؤشر دال في أي تقييم من نوع FATF/MENAFATF. (Alttahrer)
ويرى ان المجال الأول والأكبر هو الذهب، ويقول هنا الأرقام الأوضح، بحسب تقرير حديث (يناير 2026)، قفز إنتاج الذهب إلى ذروة قياسية بلغت 70.15 طناً بين 2023 و2025 رغم ظروف الحرب، لكن القنوات الرسمية لم توثق سوى 12.5 طن فقط كصادرات، أي فجوة تتجاوز 55 طناً تسربت خارج الاقتصاد الوطني، وتقديرات أخرى (نوفمبر 2025) تتحدث عن فجوة تتجاوز 5 مليارات دولار بين قيمة الذهب المصدّر رسمياً (نحو 6 مليارات) وما دخل فعلياً خزينة الدولة (مليار واحد فقط). ومعهد تشاتام هاوس (مارس 2025) وصف الذهب بأنه وقود مباشر للحرب، إذ يُهرَّب نحو 70-80% من إنتاجه، خصوصاً إلى الإمارات، الإمارات نفسها مقررة لمراجعة”فات”عام 2026م وقد سحبت بيانات الامارات لعام 2024م من منصة
UN Comtrade
بعد فترة وجيزة من نشرها بسبب ما وُصف بأنه بيانات غير اعتيادية قيد التدقيق — تفصيلة تستحق الإشارة.(نزيف الذهب في السودان.. أرقام إنتاج قياسية وتوسع شبكات التهريب. –
ويقول دليل ان اندلاع الحرب ادى إلى توقف 70% من فروع البنوك في المناطق التي تشهد عمليات عسكرية أو توتراً أمنياً، بينما يعمل حالياً نحو 427 فرعاً في الولايات الآمنة، من إجمالي 833 فرعاً و77 نافذة و73 مكتب توكيل لـ38 بنكاً،النهب طال حتى صناديق الأمانات،تم نهب مجموعة كبيرة من خزن الأمانات المقدرة بأطنان من المجوهرات والحلي والعملات الأجنبية والمستندات،وهذا بالضبط ما يفتح الباب لتبييض ثروات مجهولة المصدر لاحقاً دون أثر مصرفي،
خسائر كارثية للبنوك السودانية وفرص التعافي بعيدة.
واكد دليل ان مجالات غسل الأموال الرئيسية تبرز فى تهريب الذهب عبر الإمارات ومصر وتشاد وليبيا، وشركات واجهة وهمية في قطاع التعدين (نموذج “الفاخر للأعمال” و”مروي غولد”)، بجانب السوق الموازية للعملة والدولرة التي تجاوزت 80% من المعاملات اليومية،وشبكات الحوالة غير الرسمية التي حلّت محل النظام المصرفي المتوقف، والاستيلاء المسلح على الشركات والمنشآت الاقتصادية الكبرى.
اما الخبير المصرفي عمر سيد احمد يقول شكل الذهب القناة الأخطر لغسيل الأموال، إذ يُقدّر أن ما بين سبعين إلى ثمانين في المائة من الإنتاج السنوي يُهرّب عبر الحدود إلى مصر وتشاد وليبيا وصولًا إلى الإمارات، وهو ما جعل من المعدن النفيس أداة رئيسية لتبييض الأموال وتمويل الصراعات. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، انهارت البنية التحتية المالية والرقابية بشكل شبه كامل، مما فتح الباب واسعًا أمام أنشطة التهريب وغسيل الأموال. وأكدت تقارير دولية مثل
The Sentry وChatham House
أن الإمارات لعبت دورًا محوريًا في استقبال الذهب السوداني وإعادة تدويره ضمن شبكات غسيل الأموال العابرة للحدود، ويوضح ان جرائم غسيل الأموال على الاقتصاد والمجتمع السوداني بآثار كارثية واضحة، فقد أدت إلى تراجع الثقة في النظام المصرفي وتسببت في أضرار بالغة بمناخ الاستثمار وتشويه المنافسة بين الشركات. وأسهمت كذلك في اتساع الفوارق الاجتماعية وانتشار الفساد والجريمة المنظمة، إضافة إلى تدهور قيمة الجنيه السوداني نتيجة ضخ كميات كبيرة من الأموال غير المشروعة في الاقتصاد. وبهذا، لم تكن آثار الجريمة اقتصادية فحسب، بل طالت النسيج الاجتماعي وأضعفت قدرة الدولة على إدارة مواردها وسياساتها الاقتصادية.
ويقدر الاقتصادى توفيق بابكر الاموال المغسولة فى السودان باكثر من 120 مليار دولار اثناء فترة الحرب المستمرة منذ ابريل العام 2023م،وارجع ذلك الى ضعف الرقابة الحكومية وتعطل مؤسسات الدولة ما يسهل تمرير الاموال غير المشروعة دون رصد فى وقت انهارت فيه المؤسسات المصرفية نتيجة لفقدان الاستقرار الامنى والاقتصادى بجانب الاعتماد على المعاملات خارج السجلات الرسمية ما يصعب حركة تتبع الاموال.
ويرى ان الذهب قد تحول إلى أحد أخطر الموارد المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الصراعات، ففي ظل انهيار سلطة الدولة وضعف الرقابة، يُستخرج الذهب من مناجم غير خاضعة للقانون وتسيطر عليها جماعات مسلحة أو شبكات تهريب، ليشكّل عائدًا ماليًا غير مشروع. تبدأ عملية غسل الأموال ببيع الذهب محليًا مقابل نقد، ثم تهريبه عبر الحدود إلى دول أكثر استقرارًا، حيث يُخلط بذهب قانوني ويُعاد تصديره أو تكريره، فتضيع صلته بمصدره الأصلي. وتُستخدم شركات واجهة وفواتير مزورة لإضفاء الشرعية على هذه العمليات، قبل إدخال العائدات إلى النظام المصرفي عبر بنوك خارج بلد النزاع، ويؤكد ان الذهب يعد أداة مثالية لغسل الأموال لسهولة نقله وارتفاع قيمته وغياب ما يثبت مصدره الجغرافي.
وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة ومجموعة العمل المالي أن تجارة الذهب غير المشروعة تمثل أحد أهم مسارات التدفقات المالية غير المشروعة في مناطق النزاع، وتسهم بصورة مباشرة في إطالة أمد الحروب وتقويض فرص الاستقرار وإعادة الإعمار. ويمثل ذلك خسارة مباشرة للاقتصاد الوطني.
ورغم التداعيات السالبة على الاقتصاد السوداني الا ان البنك المركزى السوداني ألزم فى تحديثاته الاخيرة المؤسسات بتطبيق إجراءات صارمة للعناية الواجبة تجاه العملاء، تشمل التحقق من الهوية، وتحديد المستفيد الحقيقي، وفهم طبيعة الأنشطة ومصدر الأموال، إلى جانب المراقبة المستمرة للعمليات لرصد أي أنشطة غير اعتيادية، وحظر فتح حسابات مجهولة أو مرقمة، أو التعامل مع بنوك صورية، كما وضع ضوابط دقيقة للتحويلات الإلكترونية، تفرض توفر بيانات كاملة عن مرسل ومستلم الحوالة لضمان إمكانية تتبعها.
وفي جانب الرقابة،ألزم البنك المؤسسات بالإبلاغ الفوري عن أي معاملات مشبوهة إلى وحدة المعلومات المالية،مع حظر الإفصاح عن تلك البلاغات، وتوفير الحماية القانونية للمبلّغين.
كما شددت التعليمات على الالتزام بتطبيق العقوبات المالية الدولية، بما في ذلك التجميد الفوري للأصول المرتبطة بالأشخاص أو الكيانات المدرجة في قوائم العقوبات، دون إخطار مسبق،وأكد البنك أن المنشور يعزز الإطار الرقابي الداخلي للمؤسسات المالية، عبر إلزامها بتعيين إدارات امتثال مستقلة، وتطبيق أنظمة تقنية متطورة لرصد العمليات، إلى جانب تنفيذ برامج تدريب مستمرة للعاملين.
وجدد بنك السودان المركزي التزامه بمواصلة تطوير الإطار الرقابي والتنظيمي،بما يعزز كفاءة الأداء المصرفي،ويحافظ على التوازن بين التوسع في الخدمات المالية وإدارة المخاطر.
ويأتي هذا التحديث في سياق جهود البنك المركزي لتقوية الجهاز المصرفي وتعزيز الشفافية والامتثال، بما يسهم في الحد من الجرائم المالية ودعم الاستقرار الاقتصادي،استنادًا إلى القوانين المحلية ذات الصلة وتوصيات مجموعة العمل المالي
(FATF) وأفضل الممارسات الدولية
وخلال السنوات الماضية،أحرز السودان تقدمًا ملموسًا في استكمال الأطر التنفيذية والتشريعية اللازمة لمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال وفق المعايير الدولية،وهو ما انعكس في تحسن تصنيفه ضمن مؤشرات المنظمات الدولية المعنية.
كما خرج السودان من قائمة الدول الأكثر خطرًا في مجالي تمويل الإرهاب وغسل الأموال وفق مؤشر بازل لعام 2017
وادرجت المنظمات الدولية السودان منذ تسعينيات القرن الماضي ضمن قائمة الدول التي تنامت فيها أنشطة تمويل الإرهاب وغسل الأموال في ظل ضعف الرقابة، وهو ما تعزز بإدراجه سابقًا في قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب منذ عام 1993
وفي منتصف ديسمبر 2020 شطبت الولايات المتحدة السودان رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك خلال فترة الحكومة الانتقالية برئاسة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
وعلى الرغم من رفع الولايات المتحدة معظم العقوبات الثنائية المفروضة على السودان في عام 2017، فإن استمرار وجود السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب كان عائقًا كبيرًا أمام الاستثمارات الأجنبية والقطاع المصرفي، وهو ما حدّ كثيرًا من النمو الاقتصادي.
ومنذ إنشاء وحدة التحريات المالية في عام 2014،التزامًا بالمعايير الدولية،باشرت بالتعاون مع البنك المركزي في الكشف عن عمليات عديدة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب،حيث بلغت حتى عام 2017 نحو 130 حالة،وهو ما يعكس تطورًا ملحوظًا مقارنة بالفترات السابقة التي شهدت ضعفًا في رصد حالات الاشتباه.
ويواجه السودان تحديات داخلية وخارجية تزيد من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، من بينها انتشار التجارة غير المشروعة،بما في ذلك الاتجار بالسلاح وتهريب البشر،فضلًا عن الحرب الدائرة منذ منتصف أبريل 2023،إلى جانب تداعيات ارتباطات سابقة بدعم جماعات متطرفة،وهو ما يفرض الحاجة إلى مزيد من تطوير الأنظمة الرقابية وتعزيز التعاون الدولي.


