306 ضحايا في 3 أسابيع.. كيف حولت المسيّرات سماء السودان إلى خطر على المدنيين؟

تتزايد المخاوف من اتساع استخدام الطائرات المسيرة في الحرب السودانية، بعدما كشفت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان توثيق وفاة 306 أشخاص على الأقل وإصابة مئات آخرين خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من أكتوبر، وسط هجمات طالت مناطق مدنية ومرافق حيوية، وفقا لبيان المفوضية الصادر في 23 أكتوبر.
وحذرت الأمم المتحدة من أن الضربات المنسوبة إلى الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أصبحت تهدد حياة السكان في مناطق بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر، مع استمرار تدهور الخدمات الصحية والغذائية.
وتتضاعف المخاطر على الأسر النازحة التي تبحث عن ملاذ آمن من المعارك.
306 ضحايا لهجمات المسيّرات في السودان
أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك توثيق وفاة 306 أشخاص على الأقل وإصابة المئات جراء ضربات بالطائرات المسيرة خلال أول ثلاثة أسابيع من أكتوبر الجاري، مع انتشار الهجمات في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأزرق والخرطوم ومناطق أخرى.
وأوضح أن التصعيد شمل ضربات نُسبت إلى القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وأصابت منازل وأسواقا ومستشفيات ومراكز إيواء للنازحين ومحطات كهرباء ومصادر مياه.
وحذر من تزايد الخسائر البشرية وتضرر الخدمات التي يعتمد عليها السكان للبقاء.

كيف أصبحت المسيّرات خطرا متزايدا على المدنيين؟
كشف فولكر تورك أن الطائرات المسيرة أصبحت مسؤولة عن النسبة الأكبر من الوفيات المدنية المرتبطة بالنزاع في السودان خلال العام الجاري، محذرا من الآثار المتصاعدة لاستخدامها في مناطق مأهولة بالسكان.
وتتيح هذه الطائرات تنفيذ ضربات في نطاقات واسعة دون تحريك قوات برية إلى المناطق المستهدفة، ما يزيد المخاطر على المدنيين عندما تقع الهجمات قرب المنازل والأسواق ومرافق الخدمات.
ويؤدي تكرار الضربات إلى استمرار التهديد حتى في المناطق البعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية.

غرب كردفان يشهد هجمات دامية
وثقت المفوضية الأممية هجمات بطائرات مسيرة بين السادس والعاشر من أكتوبر استهدفت مواقع لإيواء النازحين في منطقتي غبيش والنهود بولاية غرب كردفان، وأسفرت عن وفاة 25 مدنيا على الأقل، بينهم نساء وأطفال.
ونسبت المفوضية تلك الضربات بصورة أولية إلى القوات الحكومية السودانية، في إطار توثيقها للحوادث التي طالت مواقع مدنية خلال الشهر الجاري.
وتحتاج المسؤولية عن كل واقعة إلى تحقيق مستقل يحدد ملابساتها والجهة المنفذة.

139 ضحية في هجوم على شاحنة نقل
سجلت الأمم المتحدة واحدة من أشد الوقائع دموية في 18 أكتوبر الجاري، عندما تعرضت شاحنة نقل لضربة متكررة في منطقة الدباب بولاية غرب كردفان، ما أسفر عن وفاة 139 شخصا على الأقل.
وأوضحت التقارير الأممية أن الهجوم وقع في منطقة خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وسط مخاوف من استمرار استخدام الضربات المتتابعة ضد أهداف قد يوجد بالقرب منها مدنيون.
وتبرز الواقعة المخاطر الناتجة عن استهداف وسائل النقل وتجمعات الأشخاص في مناطق النزاع.

النيل الأزرق ومخيمات النزوح تحت القصف
شهدت ولاية النيل الأزرق هجوما آخر في التاسع من أكتوبر، بعدما تعرض تجمع للنازحين يعمل بعض أفراده في التنقيب الأهلي عن الذهب قرب موقع إيواء في منطقة أبو شندي لضربة بطائرة مسيرة.
ووثقت الأمم المتحدة وفاة 31 شخصا على الأقل في الهجوم، غالبيتهم من النساء والأطفال، ونسبت الضربة بصورة أولية إلى قوات الدعم السريع.
وتزيد هذه الوقائع المخاوف بشأن أمن تجمعات النازحين وسبل كسب العيش في مناطق اللجوء الداخلي.

المستشفيات والأسواق ضمن المواقع المتضررة
لم تقتصر هجمات المسيّرات على المواقع السكنية، إذ وثقت الأمم المتحدة أضرارا لحقت بمرافق صحية وأسواق ومحطات كهرباء ومصادر مياه، ما يهدد قدرة السكان على الحصول على العلاج والغذاء والخدمات الأساسية.
وفي 11 أكتوبر، تعرض مستشفى أم درفة بولاية النيل الأزرق لضربة منسوبة إلى قوات الدعم السريع، أسفرت عن إصابة اثنين من العاملين الصحيين بجروح خطيرة وتوقف المستشفى عن العمل.
ويفاقم تعطل المستشفيات أزمة الرعاية الصحية في المناطق التي تشهد نزوحا ومعارك متواصلة.
هجوم أبيي يزيد المخاوف الإنسانية
شهدت منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان هجوما بطائرة مسيرة في 19 أكتوبر استهدف سوق أمييت ومحيط منطقة توداج، وأسفر عن وفاة أكثر من 80 شخصا، وفقا للمعلومات التي أعلنتها الأمم المتحدة.
وتدخلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لإخماد الحرائق ومساعدة المصابين، ونقلت أكثر من 27 شخصا إلى مستشفى تابع للبعثة.
ودعا مجلس الأمن إلى تحقيق سريع وشفاف في الهجوم ومحاسبة المسؤولين عنه.

النازحون يواجهون تهديدا متكررا
حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن انتشار الضربات الجوية وهجمات المسيّرات يدفع الأسر السودانية إلى النزوح المتكرر، بعدما فقد كثيرون منازلهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم منذ اندلاع الحرب.
وأوضحت المفوضية أن نحو مليون شخص عبروا من السودان إلى تشاد منذ بدء النزاع في أبريل 2023، بينهم قرابة 100 ألف فروا من الفاشر خلال العام الأخير.
وتعاني مناطق النزوح من ضغوط متزايدة على المأوى والمياه والخدمات الصحية والمساعدات الإنسانية.

أزمة الغذاء تتعمق مع استمرار الحرب
تتزامن هجمات الطائرات المسيرة مع أزمة غذائية شديدة في السودان، حيث أشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد، وسط مخاوف من اتساع خطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان.
وتؤدي الهجمات على الأسواق ووسائل النقل ومصادر المياه إلى تعطيل الأنشطة الاقتصادية المحلية وتقليص فرص حصول السكان على الاحتياجات اليومية.
كما تواجه فرق الإغاثة صعوبات في الوصول إلى المناطق المتضررة بسبب استمرار القتال وانعدام الأمن.

هل تشكل هجمات المسيّرات انتهاكا للقانون الدولي؟
شدد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني التي تلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين والمرافق المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة للحد من الخسائر البشرية.
وأكد أن استهداف المدنيين أو شن هجمات عشوائية أو غير متناسبة قد يرتب مسؤولية قانونية، داعيا إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتتطلب المسؤولية الجنائية تحديد الوقائع والأدلة والجهات المسؤولة عن كل هجوم بصورة منفصلة.
الأمم المتحدة تطالب بوقف إطلاق النار
دعا فولكر تورك الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، واحترام قواعد حماية المدنيين، ووقف تدفق الأسلحة التي تستخدم في عمليات تنتهك القانون الدولي الإنساني.
وأكد أن التوصل إلى تسوية تفاوضية قائمة على حقوق الإنسان والمساءلة يمثل مسارا ضروريا لإنهاء المعاناة المستمرة منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023.
وتستمر الدعوات الدولية لحماية السكان وضمان وصول المساعدات دون عوائق.

كيف تهدد المسيّرات مستقبل السودان؟
تظهر الحصيلة الأممية الأخيرة اتساع المخاطر التي تواجه المدنيين مع انتشار استخدام الطائرات المسيرة في الحرب، خاصة بعد امتداد الهجمات إلى مناطق سكنية وأسواق ومرافق صحية ومراكز للنازحين.
ويؤدي استمرار استهداف البنية التحتية إلى تراجع الخدمات الأساسية وزيادة النزوح والجوع، بينما يواجه السكان صعوبات متواصلة في العثور على مناطق آمنة.
ويبقى وقف الهجمات على المدنيين وتأمين المساعدات والتحقيق في الانتهاكات من أهم أولويات الاستجابة الإنسانية.




