الأخبـارتحقيقات

أجساد في أقبية الدعم السريع.. شهادات حية عن المقايضة وفظائع سجن «سوبا»

قصة «عز الدين».. مساومة الحرية بثمنٍ إنساني فادح

الخرطوم: نبيل صالح
في العشرين من أغسطس 2024، وداخل جدران سجن “سوبا” الذي كانت تسيطر عليه قوات الدعم السريع، تلقى عز الدين حسين خليفة —الفني في منظومة الصناعات الدفاعية “اليرموك”— زيارة غير متوقعة من ضابط رفيع، وصل في سيارة فارهة مدججاً بحراسة شخصية.
عرّف الضابط نفسه باسم “جبارة حمدان عيسى”، وأبلغ عز الدين منذ اللحظة الأولى بأنه لا يعرفه شخصياً، وأن زيارته تهدف لإطلاق سراحه. قدّم الضابط السخي مواد غذائية ومبلغاً مالياً في تصرف بدا غامضاً ومثيراً للريبة في حينه، قبل أن تتكشف دوافعه اللاحقة بشكل صادم.
يقول عز الدين، الذي اعتقل على خلفية وظيفته في منشأة عسكرية، إن الضابط باغته بطلب يد ابنته التي تصغره بنحو أربعين عاماً، جاعلاً من هذا الزواج شرطاً وحيداً ومقابلاً مباشراً لإطلاق سراحه من المعتقل.
ويمضي عز الدين في حديثه لـ “التحول”: “لم يزد الرجل على هذا العرض حرفاً واحداً، ثم استدار وغادر”.
بعد يومين، عاد الضابط في العاشرة صباحاً، قبيل اقتياد عز الدين إلى جلسة تحقيق جديدة مع المحقق ذاته الذي استجوبه في الأيام الأولى لاعتقاله، والذي سبق أن رفض الإفراج عنه لأسباب وصفها عز الدين بأنها “ذات طابع إثني قبلي”.
غير أن المحقق أبلغه هذه المرة بأنه عدّل انتماءه القبلي في الأوراق الرسمية من “شايقي” إلى “محسي” لتسهيل إجراءات الإفراج.
عقب خروجه من بوابة السجن، التقى عز الدين بالضابط مجدداً وأبلغه برفضه القاطع لتزويجه ابنته، إلا أن الضابط وضعه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى غياهب السجن أو القبول بالصفقة. بل ذهب أبعد من ذلك حين أكد له أن الزواج سيتم “برضاه أو رغماً عنه”، مدعياً كذباً أن الفتاة وافقت على الأمر افتداءً لحياة والدها.
أمام هذا الضغط الرهيب، وبتأثير من زملائه السجناء الذين نصحوه بقبول العرض حفاظاً على حياته من تصفية محققة، اضطر عز الدين للموافقة المنكسرة.
وفي اليوم التالي أُفرج عنه وسط مشهد مؤثر داخل المعتقل ضجّ فيه السجناء بالبكاء.
وعندما تمكن عز الدين من سؤال ابنته لاحقاً عن موقفها، أكدت له والدموع تخنقها أنها وافقت تحت وطأة الرعب التام والخوف على حياته.
لكن يوم عقد القران شهد تطوراً درامياً مثيراً، إذ اقتحمت زوجته المسجد وأعلنت على الملأ رفضها تزويج ابنتها من “رجل كهل”.
وفي تلك الأثناء، يروي عز الدين أن عنصرين من قوات الدعم السريع اقتربا منه وهدداه بالتصفية الجسدية الفورية إذا لم يتم العقد. وتحت حد هذا التهديد، أُبرم عقد القران قسراً.
يقول عز الدين مسترجعاً تلك اللحظة المريرة: “قلت للضابط والحرقة تملأ قلبي: لقد ساومتني بابنتي، ولن أغفر لك ما حييت”.
وبحسب روايته، تقيم ابنته حالياً في دولة جنوب السودان، وتتواصل سراً مع والدتها لحمايتها.
أربعة أشهر من التنكيل والانتهاكات القاسية
تعود بداية مأساة عز الدين إلى فبراير 2024، حين جرى اعتقاله بتهمة الانتماء لجهة نظامية داخل مدرسة بمنطقة “طيبة” جنوب الخرطوم، والتي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، حيث احتجز مع آخرين لنحو 90 يوماً.
وخلال تلك الفترة، تعرض المعتقلون لأبشع أشكال التعذيب النفسي والجسدي، مما أدى إلى وفاة اثنين منهم أمام عينيه نتيجة الضرب المبرح والجوع الممنهج.
ويشير إلى أن المعتقلين كانوا من الموظفين الحكوميين والعناصر النظامية، من بينهم وكيل نيابة، وقد قضى اثنان منهم لاحقاً متأثرين بالأمراض والتعذيب.
 ويوضح عز الدين أن القوة قامت بتقسيم المعتقلين إلى مجموعتين: نظاميين ومدنيين، وأخضعتهم لتحقيقات متكررة صاحبتها جولات من التنكيل والضرب.
 ورغم تأكيده للمحققين أنه مجرد فني ولا علاقة له بالأجهزة الأمنية، وأنه غادر إلى الولاية الشمالية ثم عاد للخرطوم فقط لعلاج ابنته المريضة، ورغم اقتناع المسؤولين أولاً بإطلاق سراحه، إلا أنه أُعيد إلى الحجز بدوافع عرقية محضة تملكت الآسرين.
لاحقاً، نُقل عز الدين إلى معتقل حي “الرياض”، حيث أُصيب بعاهة في ركبته جراء التعذيب، قبل أن يُرحل إلى مواقع احتجاز أخرى، من بينها مبنى في “شارع الستين”، حيث استمر الضرب لانتزاع اعترافات قسرية.
ويصف الأوضاع داخل أحد تلك الأقبية بأنها “كارثية”، حيث تكدس مئات المعتقلين في حالة صحية متدهورة، وباتوا أشبه بـ”هياكل عظمية” تحركها الأنفاس بسبب الجوع والمرض.
ويستحضر ذلك المشهد المرعب كأنه يعيشه الآن: “في أحد المواقع، احتُجز نحو 36 شخصاً في مبنى متهالك يفتقر لأبسط مقومات الحياة البشرية، بلا حمامات، ومع انقطاع كامل للمياه لعدة أيام. ومن شدة العطش، كنا نلجأ إلى امتصاص قطرات الماء الصدئة من المواسير القديمة”.
 وخلال تلك الفترة العصيبة، توفي أحد زملائه بعد إصابته بضيق حاد في التنفس. يقول عز الدين: “كنت أexport بجواره، وعندما أدركت أنه يحتضر أسرعت لإبلاغ إدارة المعتقل، لكنني لم أجد سوى الإهمال والصدود حتى أسلم روحه لبارئها، وبقي جثمانه ممدداً بيننا حتى الصباح”. صمت برهة، ثم استطرد وعيناه تغرورقان بالدموع: “كانت لحظة صادمة أفقدتني عقلي حرفياً، ولم أعرف كيف أتصرف.. جلست أبكي بجانب الجثة حتى الصباح، وعندما سمع زملائي نحيبي جاؤوا إليّ وستروا الجثمان بجلباب أحدهم”.
ويضيف عز الدين بمرارة: “لم نتمكن من الاستحمام طوال أربعة أشهر كاملة، وخلال هذه الفترة أصيب أغلبنا بأمراض جلدية فتاكة، وكانت تفوح منا روائح نفاذة وقذرة، وانتشر القمل في ملابسنا بشكل مرعب”.
ومن ذلك الجحيم، تم ترحيلهم إلى سجن “سوبا” لتتفاقم الأوضاع الإنسانية إلى درك غير مسبوق، مع وجود معتقلين عاجزين تماماً عن الحركة من فرط الهزال والجوع.
الاكتظاظ والمرض وحصاد الموت
يروي عز الدين أنه فور وصولهم إلى سجن “سوبا”، توفي أحد المعتقلين عند البوابة مباشرة، مما بث الرعب في قلوب البقية. وأوضح أنه جرى حشرهم في عنبر يضم نحو 140 شخصاً، رغم أن سعته الاستيعابية لا تتجاوز 50 نزيلاً. وكان الطعام يُقدم بكميات شحيحة ومذلة، عبارة عن “عصيدة” تفتقر للملح تُرمى لهم داخل أكياس بلاستيكية.
وخلال فترة وجيزة، تفشت “حمى الضنك” داخل العنبر كالنار في الهشيم، مما أسفر عن وفاة نحو 60 معتقلاً خلال شهرين فقط، في ظل انعدام تام للرعاية الطبية وتراجع حاد في توفر الغذاء والمياه الصالحة للشرب.
بهذه الرواية المأساوية، يختتم عز الدين شهادته القاسية عن تجربة اعتقال مريرة امتدت لأشهر، تخللتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وانتهت بواقعة يصفها بأنها “مساومة وضيعة على الحرية بثمن شخصي لا يُحتمل”.
الارتدادات النفسية وظلال الحرب
رغم مرور عام وشهرين على خروج قوات الدعم السريع من الخرطوم وتوقف العمليات العسكرية المباشرة، وعودة مظاهر الحياة المدنية المادية إلى طبيعتها، لا تزال الارتدادات النفسية والندوب الباطنة حاضرة بقوة في ذاكرة سكان منطقة “الشقيلاب” جنوب العاصمة.
فالقصص التي يرويها الأهالي عن تلك الحقبة سوداوية، تفيض بالخوف والمسغبة ومقاطع الانتهاكات التي طبعت يومياتهم، وتركت في نفوسهم جروحاً غائرة تتجاوز حدود الزمن.
الذاكرة المثقلة بالفظاعات 
يبرز فتح الرحمن الكيك، رجل في العقد الخامس من عمره— كمثال حي لهذه الذاكرة المثقلة بالتروما.
يقول إن الأصوات العالية والضوضاء المفاجئة ما تزال تثير روعه، وتعيده قسراً إلى أيام الاقتحامات الليلية المروعة التي كانت تنفذها عناصر الدعم السريع، حيث كان السكان يُحاصرون داخل بيوتهم وتُصادر أقوات أطفالهم تحت تهديد السلاح.
ويضيف في حديثه لـ”التحول”: “كنا نشعر بطمأنينة مشوبة بالوجل مع الأذان الأول لصلاة الفجر؛ فهو التوقيت الذي تنسحب فيه عناصر الدعم السريع من الحي إلى ارتكازاتها البعيدة.
عندها فقط ننام لساعتين، قبل أن نخرج لنتفقد أحوال الجيران، ونحن لا نعلم إن كان أحدهم قد قُتل ليلًا أو سُرق منزله بالقوة. لقد اعتدنا، للأسف، على أصوات الرصاص وصراخ الضحايا”.
ويتابع: “منذ لحظة المغيب، كان يفرض علينا حظر تجول ذاتي، فلا يجرؤ أحدنا على مغادرة عتبة منزله خوفاً من القتل المباشر. لقد تعرضت شخصياً مرتين لإطلاق نار كثيف أثناء خروجي ليلاً لإسعاف ابن عمي الذي تعرض لهجوم مسلح، ومنذ ذلك الحين آثرت البقاء حبيس الجدران”.
لم يكن الرعب وحده هو ما يطحن حياة السكان، بل الجوع كافر أيضاً.
يصف فتح الرحمن تلك المعاناة قائلاً: “كنا نتسوق خفية من دكاكين سرية أقيمت داخل المنازل، خوفاً من صولات الميليشيا ومصادرة ما نحمله من دقيق بالكاد يسد رمق أطفالنا، أما نحن الكبار فلم نكن نضع الطعم في حساباتنا”. ويشير إلى أن معظم التجار فروا بجلودهم من المنطقة، فيما نُهبت بضائع من صمد منهم.
حتى مصادر الرزق الأساسية لم تسلم من البطش، فالصيادون في النيل القريب بحسب شهادات الأهالي، كانوا يمارسون عملهم تحت تهديد البنادق، ويُجبرون على تسليم صيدهم بالكامل لعناصر الميليشيا، بل ويُمنعون في كثير من الأحيان من حمل سمكة واحدة لعائلاتهم الجائعة.
ويستعيد فتح الله واحدة من أقسى اللحظات شجناً: “في الأيام الأولى من شهر رمضان 2025، لم نتذوق الطعام لثلاثة أيام متتالية حتى أشرفنا على الهلاك، وكنا نؤثر الأطفال بما نجده من كسر الخبز اليابس. ثم، في أحد الصباحات، دخل الجيش السوداني إلى المنطقة، فتحررنا من المداهمات الليلية، لكننا لم نتحرر قط من الخوف الذي استوطن نفوسنا وظل يلازمنا حتى اليوم”.
مشاهد صادمة لا تفارق المخيلة
مع دخول الجيش إلى المنطقة، تبدلت المعادلة الأمنية على الأرض، لكن ذلك الانفراج لم يخلُ من مشاهد صادمة تركت ندوباً لا تمحى في مخيلة السكان.
يروي محمود ود الجاك لـ “التحول” تفاصيل ما عاينه في اليوم الأول: “كنت أقف على تلة قريبة من النيل، ورأيت أعداداً من عناصر الدعم السريع يركضون بهلع نحو مرسى المراكب في محاولة يائسة للفرار، بينما كان مواطنون غاضبون يلاحقونهم صائحين. لم يتمكنوا من العبور، وحاصرهم الناس من كل حدب وصوب”.
ويضيف أن تلك اللحظات المشحونة سرعان ما تحولت إلى مواجهات عنيفة وقاسية، قُتل فيها العشرات على أيدي المواطنين المحتقنين، قبل أن يتدخل وجهاء الحي لاحقاً لدفن الجثث بصورة عاجلة تفادياً للأوبئة: “قمنا بدفن عشرات الجثث بشكل عشوائي ومتعجل لحمايتها من الحيوانات الضالة، لكننا لاحظنا لاحقاً أن بعض القبور السطحية نُبشت بواسطة الكلاب”.
ويروي ود الجاك مشهداً وصفه بالصادم والمروع الذي طرد النوم من عينيه لشهور، إذ شاهد كلباً ضخماً يسحب يداً بشرية مشوهة متوجهاً بها نحو غابة أشجار كثيفة جنوب غرب الشقيلاب. يقول بقشعريرة: “كان مشهداً مرعباً وبشعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. وحتى اليوم، ما زالت بعض الهياكل العظمية تتناثر هناك في العراء”.
ويشير ود الجاك إلى أن هذه الفظائع ألقت بظلالها الثقيلة حتى على العادات الغذائية واليومية للسكان، حيث عزف كثيرون عن شراء الأسماك أو الاقتراب من النهر بسبب جثث القتلى الكثيرة التي أُلقيت في جوف النيل خلال تلك الأحداث الدامية، مردفاً: “كانت مشاهد تفوق قدرة العقل على الاستيعاب.. وهي لا تزال تطاردنا في منامنا ويقظتنا”.
ورغم أن العاصمة الخرطوم تجاوزت كابوس المداهمات والقتل المباشر على أيدي عناصر الدعم السريع، إلا أن الطمأنينة السيكولوجية الكاملة لم تجد طريقها بعد إلى القلوب. فبين محاولات استعادة نسق الحياة اليومية، وبقاء الذاكرة الجمعية مثقلة بالتجارب الوحشية، يعيش السكان على إيقاع مرحلة انتقالية قلقة، تحاول فيها الحياة أن تمضي قدماً نحو الغد، بينما تظل الندوب النفسية الغائرة شاهداً حياً على جحيم ما جرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى