الأخبـار

اختراق الحدود وحصار الإمداد: ضربات الجيش الخارجية تُشعل «فتيل» التدويل في النزاع السوداني

تُمرّ الحرب السودانية بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجية بالغة الخطورة مع اتساع نطاق المواجهة العسكرية وتجاوزها الحدود الوطنية إلى أراضي الجوار الاقليمي.

وبين تصاعد حدة الضربات الجوية، والتحركات الدبلوماسية المتسارعة في أروقة مجلس الأمن لمراجعة قرارات حظر السلاح وتوسيع نطاقها، يدخل الصراع مرحلة جديدة من التدويل تتقاطع فيها الحسابات العسكرية الميدانية مع الصراعات الجيوسياسية بين القوى الكبرى والإقليمية.

وتاريخياً، ظلت الحدود السودانية التشادية الممتدة على طول إقليم دارفور نقطة هشاشة أمنية وممرًا تشابكت فيه الصراعات المسلحة وعمليات الإمداد والتهريب على مدى العقود الماضية. ومع تصاعد المواجهات الحالية، بدأت القوات المسلحة السودانية تتبع استراتيجية ملاحقة استباقية لخطوط إمداد قوات الدعم السريع التي تعتمد على مسارات صحراوية تمر عبر المثلث الحدودي والعمق التشادي.

وتمثلت النقطة الفاصلة في إطلاق الجيش السوداني ما يُعرف إعلامياً بعملية “الحارس الأمين”، والتي تضمنت تنفيذ ضربات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيرة داخل الأراضي التشادية، مستهدفةً أرتالاً عسكرية ومستودعات وقود ومواقع تجمّع (من بينها مناطق في إنيدي الشرقية ومنطقة أديكون الحدودية).

وعلى أثر هذه الضربات، أعلنت السلطات التشادية رفع حالة التأهب العسكري لمستويات قصوى واتهمت الجيش السوداني بالاعتداء على سيادتها، فيما نفت الخارجية السودانية مسؤوليتها المباشرة قبل إجراء تحقيقات رسمية، مع تلميحها إلى اختراقات وتوترات على جبهات أخرى.

تنديد واشنطن

ودخلت واشنطن على خط الأزمة عبر تصريحات حادة للمستشار الرئاسي الأمريكي للشؤون الأفريقية والشرق أوسطية، مسعد بولس، الذي أدان صراحةً الغارات الجوية للجيش السوداني داخل الأراضي التشادية. وأكد بولس أنه “لا يوجد أي برهان أو مبرر عسكري لتوسيع نطاق العنف خارج حدود السودان”، مشدداً على أن التصعيد العابر للحدود يهدد الأمن الإقليمي وينسف مساعي الحل السلمي.

وطالب بولس كلاً من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالقبول الفوري بهدنة إنسانية، داعياً مجلس الأمن الدولي إلى التحرك العاجل لتوسيع قرار حظر الأسلحة ليشمل جميع الأراضي السودانية وتحديداً تكنولوجيا المسيرات، ووقف كافة أشكال الدعم العسكري والمالي الخارجي المقدم لأطراف النزاع.

رأي المحلل السياسي د. محمد إدريس

واعتبر المحلل السياسي د. محمد إدريس، في حديث لـ”التحول” “إن ما يسمى بعملية ‘الحارس الأمين والمسيّرات العابرة للحدود تعتبر نقطة تحول استراتيجية خطيرة تُخرج الصراع السوداني من نطاقه الداخلي إلى مسرح إقليمي أوسع.

وقال إن القصف الذي استهدف خطوط الإمداد والتجمعات المحاذية للحدود التشادية يعكس تآكلاً كبيراً في قواعد الاشتباك التقليدية، مما يضع العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وأنجمينا على خط المواجهة المباشرة، ويفتح الباب أمام احتمال اندلاع نزاعات حدودية غير محسوبة في إقليم دارفور والمنطقة الإقليمية المجاورة.”

وتابع: “تضع هذه الضربات قيادة الجيش، بقيادة رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، أمام عقبات سياسية ودبلوماسية معقدة”.

وشدد على أن توسيع نطاق العمليات إلى خارج الحدود الوطنية يُضعف الموقف التفاوضي للحكومة في المحافل الدولية، ويُغذي الذرائع التي تعتمد عليها الأطراف الغربية لوضع السودان تحت طائلة عقوبات أشدّ قسوة أو تفعيل آليات تدخّل دولي للحدّ من حركة الطيران وتوسيع حظر الأسلحة الشامل.”

ولفت إدريس إلى أن الاتهامات الموجهة للنظام في الخرطوم بالتورط في تدويل الحرب وتوسيع رقعة النزاع تعزز المخاوف الدولية من تحول السودان إلى بؤرة فوضى إقليمية تستقطب الفاعلين غير الحكوميين.

وأشار إلى أن تدويل النزاع عبر ملاحقة الإمدادات داخل أراضي دول الجوار يُعقّد جهود المبادرات الإقليمية (كالوساطة السعودية-الأمريكية)، ويُعطي الذريعة للقوى الدولية لاستخدام مشروعات القوانين بمجلس الأمن لتقييد السيادة الجوية للسودان تحت بند حماية المدنيين وحظر الطيران.”

ومن ناحيته، رأى الخبير العسكري العميد المتقاعد إبراهيم عمر ” أن من الناحية التكتيكية والعسكرية، تُشكل العمليات الجوية الموجهة ضد أرتال الإمداد عبر الحدود التشادية ضربة موجعة لخطوط التغذية اللوجستية التابعة لقوات الدعم السريع.

وقال عمر لـ”التحول” إن شل حركة الشحنات والعتاد القادم عبر المناطق الصحراوية الحدودية يحرم القوات الميدانية للدعم السريع من تعويض خسائرها في الذخائر والأسلحة النوعية والمركبات القتالية، مما يضعف قدرتها الاستيعابية على إدارة المعارك طويلة المدى في محاور كتم ونيالا والفاشر.”

وأفاد بأن تأثير هذه الضربات يتعاظم بالنظر إلى اعتماد الدعم السريع الكلي على خطوط الإمداد المفتوحة والممتدة عبر الحدود. استهداف العمق التكتيكي لنقاط التجمع يقطع شريان الإمداد الحرج بالسلاح والمسيرات قطعاً جزئياً أو كلياً، ويجبر خطط الإمداد على التراجع إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة ومخاطرة.

واعتبر في الوقت نفسه أن مثل هذه الضربات يعد وسيلة ناجعة لاضعاف الزخم الهجومي للميليشيات، ويتيح للقوات المسلحة السودانية استعادة زمام المبادرة وتضييق الخناق على الجيوب المحاصرة في مدن دارفور وكردفان، وفق قوله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى