العتمة تُغرق السودان… وتشعل الاحتجاجات
دخلت عدة ولايات سودانية في إظلام شبه تام مع بداية الأسبوع الجاري، بسبب اندلاع حريق في كابل بمحطة توليد كهرباء سد مروي. وأوضحت وزارة الطاقة أن الحريق أدى إلى تلف كبير في المغذيات الرئيسية لخطوط النقل (مروي – المرخيات، ومروي – عطبرة). وقالت الوزارة، أول من أمس، إن صيانة العطل تحتاج إلى عدة أيام لعودة التيار الكهربائي، ما يفاقم أزمة السودانيين في وقت بدأت فيه احتجاجات منتظمة في ولايات شرق السودان بمنطقة جبيت، ضد انقطاعات الكهرباء المستمرة، ما أدى إلى إغلاق الطريق الرابط بين بورتسودان والخرطوم.
ورغم أن قوات الدفاع المدني تمكنت من السيطرة على الحريق في وقت وجيز، إلا أن أحد الفنيين قال لـ”العربي الجديد” إن عمليات الإصلاح قد تمتد لنحو أسبوع دون تحديد موعد دقيق للعودة الكاملة للخدمة. ولا تزال ولايات الخرطوم، والبحر الأحمر، ونهر النيل، والولاية الشمالية تعيش إظلاماً تاماً، ما أدى إلى شلل في الأسواق والجهات الرسمية، كما توقفت بعض المعاملات الإلكترونية، ما فاقم الأعباء المعيشية والمجتمعية.
احتجاجات على انقطاع الكهرباء في السودان
قال سكان في بورتسودان لـ”العربي الجديد” إن المدينة شهدت انقطاعاً كاملاً للتيار بالتزامن مع موجة حر شديدة، في وقت أصدرت فيه هيئة الأرصاد الجوية تحذيراً باللون الأحمر للولاية يستمر حتى السادس من أغسطس/ آب الجاري.
وتزامن انقطاع الكهرباء مع إقدام مواطنين في منطقتي جبيت وسواكن بولاية البحر الأحمر على إغلاق الطريق الرابط بين بورتسودان ووسط السودان، احتجاجاً على انقطاع التيار الكهربائي الذي وصل إلى 12 ساعة يومياً. استمر الإغلاق من ليل الجمعة حتى صباح السبت، وتوقفت حركة الشاحنات بالكامل في منطقة جبيت، مع مطالبات بعودة الإمداد بصورة منتظمة، وفقاً لمقاطع فيديو متداولة.
وجاءت الاحتجاجات بعد عطل فني في الخط الناقل بين بورتسودان وعطبرة، أدى إلى انقطاع كامل للتيار في ولاية البحر الأحمر، ما دفع شركة الكهرباء إلى تقليص الإمداد إلى 12 ساعة يومياً وفق بيانات محلية. وتزامن الانقطاع مع ارتفاع درجات الحرارة إلى 44 درجة مئوية، ما أثر على خدمات المياه في بعض الأحياء. كما شهدت ولاية الخرطوم احتجاجات وغضباً شعبياً على انقطاع الكهرباء، حيث أغلق سكان بعض الطرق الرئيسية، وسط اتهامات للسلطات بالعجز عن إيجاد حلول لأزمتي انقطاع مياه الشرب والكهرباء.
وأعلنت وزارة الطاقة أنها تعاقدت، نهاية يوليو/ تموز الماضي، مع شركة خاصة لتشغيل بارجة جديدة على ساحل البحر الأحمر بطاقة 100 ميغاواط، إضافة إلى 50 ميغاواط من المحطة الأرضية، لتخفيف حدة الانقطاعات، إلا أن الأعطال التي لحقت بالخط الناقل من سد مروي تسببت في انقطاع واسع تأثرت به جميع ولايات السودان. تبلغ طاقة سد مروي 1250 ميغاواط، وهو أكبر محطة لتوليد الطاقة المائية في السودان، وقد شهد أعطالاً متكررة في الخطوط الناقلة خلال العامين الماضيين بسبب الاستهداف العسكري ونقص الصيانة، ما أثر على إمدادات المياه والوقود والمستشفيات، خاصة مع حرارة تتجاوز 45 درجة مئوية في بعض الولايات. ويعد سد مروي أكبر محطة لتوليد الطاقة المائية في السودان، ويغذي الشبكة القومية التي تربط ولايات الشمال والشرق والوسط.
ضربات “الدعم السريع”
وسبق أن أطلقت قوات الدعم السريع سرباً من الطائرات المسيرة استهدفت مطار وسد مروي، ما أدى إلى أضرار بالسد واشتعال النيران وقطع عام للتيار الكهربائي عن مدينة مروي. وفي الثالث عشر من يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، استهدفت قوات الدعم السريع المحطة الكهربائية، حيث تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر اندلاع حريق في المحطة التحويلية للكهرباء، وهي المحطة الناقلة للكهرباء من السد إلى الشبكة القومية التي تغذي عدداً من الولايات السودانية بالطاقة الكهربائية، ما أدى إلى انقطاع في خدمات الكهرباء في عدد من المدن ومن بينها مروي، وبورتسودان، وأم درمان، وعطبرة، ودنقلا. وأدى الهجوم إلى احتراق مفاعل خط المرخيات الكهربائي.
ويعد هذا الهجوم الخامس منذ بدء استهداف محطة مروي الكهربائية، ما أدى إلى انقطاع وتذبذب التيار الكهربائي في أجزاء واسعة من الولاية الشمالية في السودان وامتد أثره إلى بقية ولايات السودان آنذاك. ويقع سد مروي شمالي السودان، كما تعتبر مروي منطقة تمركز بديلة للقوات الجوية، وتضم أكبر مشروعين زراعيين في الولاية الشمالية تم إنشاؤهما منذ عهد الاستعمار الإنكليزي. كذلك يعتبر السد من أبرز معالم المدينة، ويقع في منطقة الحمداب على بعد 350 كيلومتراً شمال الخرطوم، و40 كيلومتراً من وسط مدينة مروي. يشار إلى أن قوات الدعم السريع كانت قد استهدفت أكثر من مرة عبر المسيرات محطات للكهرباء في ولايتي القضارف وسنار ونهر النيل، فضلاً عن سدي أعالي عطبرة وستيت الذي ينتج 320 ميغاواط.
أهمية سد مروي
يقول الخبير الاقتصادي إبراهيم شقلاوي، لـ”العربي الجديد”، إن لسد مروي أهمية استراتيجية وتنموية من خلال موقعه شمال العاصمة الخرطوم، إذ اكتمل بناؤه عام 2009 بهدف تحقيق مجموعة من الأهداف التنموية. يعد السد المصدر الرئيسي لتوليد الطاقة الكهربائية، إذ ينتج ما يغطي نحو 45% من احتياجات السودان من الكهرباء، حسب شقلاوي الذي يشير إلى أن السد يسهم في حماية أراضي الولاية الشمالية من فيضانات النيل، ويعزز المشاريع الزراعية والصناعية التي تعتمد على بحيرة التخزين بطول 176 كيلومتراً. وقال إن موقعه الاستراتيجي أتاح فرصاً لتعزيز الأمن الغذائي وتطوير القطاعات الإنتاجية، ما جعله ركيزة أساسية في مساعي تحقيق التنمية المستدامة.
ويتابع شقلاوي: “لا تقتصر التداعيات السلبية لسد مروي على الأضرار المادية المباشرة بل تمتد إلى إضعاف قدرة السودان على الحفاظ على استقراره الاقتصادي والاجتماعي؛ إذ يمثل السد محوراً رئيسياً لشبكة الكهرباء القومية، وأي انقطاع في التيار الكهربائي يؤثر على مختلف القطاعات، بما فيها الزراعة والصناعة والخدمات العامة والخدمات الصحية. كما تعمق هذه الهجمات معاناة المواطنين في ظل أزمات اقتصادية خانقة”.
كما أن انقطاع التيار الكهربائي أدى إلى انقطاع مياه الشرب عن الأحياء السكنية، وقد يعاني المواطنون معاناة كبيرة من جراء عدم توفر المياه، بجانب تأثير انقطاع الكهرباء على القطاع الصحي؛ فقد تخرج بعض المراكز الصحية في القرى عن الخدمة بسبب عدم قدرتها على توفير الوقود (الغازولين)، مما يؤدي إلى الهجرة نحو المدن الكبيرة، وبذلك تزيد معاناة المرضى.
العربي الجديد



