في الخرطوم، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً لدى بعض الأسر .. ماذا سنأكل غداً؟
بل أصبح السؤال الأكثر قسوة.. هل سنجد ما نأكله اليوم؟
في الأحياء التي أنهكتها الحرب، لا تظهر الأزمة دائماً في صورة منزل مهدم أو شارع خال من المارة. أحياناً تختبئ الازمة داخل مطبخ فقير لا يحتوي سوى القليل، أو في جيب عامل عاد من السوق بلا دخل، أو في أسرة عاجزة عن شراء الدواء بعد أن أصبح الطعام نفسه معركة يومية.
وتشهد ولاية الخرطوم ومدن سودانية عدة أزمة جوع حادة وانعداماً غير مسبوق في الأمن الغذائي نتيجة استمرار الصراع المسلح وارتفاع أسعار الأسواق بنحو قياسي، مما دفع آلاف الأسر إلى الاعتماد الكلي على التكايا وتقليص وجبات الطعام والاعتماد على المساعدات المحدودة للبقاء على قيد الحياة.
ومع انهيار قيمة الجنيه السوداني وارتفاع اسعار السلع، أصبحت أبسط الاحتياجات عبئاً ثقيلاً على الأسر محدودة الدخل. وفي الخرطوم ، حيث بلغ سعر أربعة رغيفات نحو ألف جنيه، وكيلو السكر نحو خمسة آلاف جنيه، ولتر الزيت قرابة 12.000 جنيه، بينما تراوح كيلو الدقيق حول أربعة آلاف جنيه. كما بلغ كيلو اللحم الضأني نحو 65 ألف جنيه، فيما تراوحت أسعار بعض الخضروات، مثل البامية، اكثر 8 آلاف جنيه للكيلو وكيلو البطاطس 7 الف جنيه وكيلو الباذنجان 5 الف جنيه .
بينما تضاعف سعر جوال الفحم من 75.000 جنيه الى 150.000جنيه طبقا لتجار تجزئة تحدثوا لـ ” التحول” وارجع التجار الزيادة الكبيرة للاقبال الكبير على الفحم لاستمرار قطوعات الكهرباء وارتفاع سعر اسطوانة غاز المنازل الى 115.000 جنيه .
وفي جولة لها رصدت التحول” ارتفاع سعر الرغيف زنة اقل من 30 جرام الى 250 جنيه .. اي ” 4″رغيفات زنة “120” جرام بنحو ألف جنيه، بعد أن كان المبلغ نفسه يشتري ستة أرغفة تزن تقريبا اكثر من 60 جرام في وقت سابق، في انعكاس مباشر لتراجع القوة الشرائية للجنيه السوداني.
الأرقام تبدو صغيرة لمن ينظر إليها بعيدا عن واقع السودانيين، لكنها تصبح ثقيلة عندما يكون دخل الأسرة نفسه بالكاد يكفي وجبة واحدة.
في الخرطوم، تتقاطع قصص كثيرة عند حقيقة واحدة ” الحرب لم تعد معركة على الأرض فقط، وإنما أصبحت معركة يومية من أجل البقاء.
عندما يتحول الطعام إلى أمنية
تهاني ذات الـ 35 عاماً، أم لطفلتين وزوجة لرجل يعاني مرضاً مزمناً أفقده القدرة على الحركة.
كانت تعمل قبل الحرب لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرتها، لكن اندلاع القتال دفعها إلى النزوح نحو شمال السودان، قبل أن تعود إلى منزلها في الخرطوم خلال الشهر الأول من خروج قوات الدعم السريع من العاصمة.
عادت إلى المنزل، لكنها لم تستعد حياتها القديمة.
فقدت وظيفتها، ولم تجد أمامها سوى بيع الآيسكريم كمصدر دخل بديل. كان الربح محدوداً، لكنه بالنسبة إليها كان يعني شيئاً بالغ الأهمية وجبة لأسرتها.
تقول تهاني لـ ” التحول” إن ما تكسبه في اليوم كان يكفي في بعض الأحيان لشراء ثمانية أرغفة وطبق من الفول، ثم يمضي باقي اليوم من دون طعام.
ومع ارتفاع الأسعار، أصبح حتى هذا الحد الأدنى أكثر صعوبة. فالخبز الذي كان يمثل أرخص خيارات الطعام لم يعد رخيصاً بالنسبة إلى أسرة بلا دخل ثابت، بينما أصبحت أسعار الزيت والسكر والدقيق واللحوم بعيدة عن قدرة كثير من الأسر محدودة الدخل.
لكن الأزمة لم تتوقف عند ارتفاع الأسعار حيث أن الانقطاع المستمر للكهرباء ضاعف معاناتها
تنطفئ الكهرباء.. ينطفئ الدخل
كانت تهاني تعتمد على بيع الآيسكريم، وهي مهنة تحتاج إلى التبريد المستمر. ومع انقطاع الكهرباء، توقفت قدرتها على تجهيز ما تبيعه، فتوقف معها مصدر الدخل.
لم تعد القضية بالنسبة إليها فاتورة كهرباء متأخرة أو ساعات من الظلام.
إنها ساعات بلا عمل، ثم يوم بلا دخل، ثم أسرة تبحث عن وجبة.
تقول تهاني ” الجيران يساعدوننا أحياناً بما يتبقى لديهم من طعام، بينما تمر أيام أخرى دون أن نجد ما يكفي أسرتي
حتى الدكان القريب الذي كنت استدين منه احتياجاتي اليومية أغلق باب الدين أمامي بعدما تراكمت عليها المستحقات.
ومع ضيق الحال، اضطرت إلى إخراج طفلتيها من المدرسة.
أما زوجها المريض، فأصبح الدواء والغذاء معاً من الاحتياجات التي يصعب توفيرها.
تهاني لا تتحدث عن رفاهية أو طموحات كبيرة؛ كل ما تطلبه هو أن تستطيع إطعام طفليها وتأمين علاج زوجها.
(12) ساعة في انتظار الكهرباء
في الشقيلاب، جنوب الخرطوم، يجلس متوكل داخل محل صغير لصيانة الهواتفمن السادسة صباحاً وحتى السادسة مساء، ينتظر الكهرباء .
بالنسبة لمتوكل، الكهرباء ليست خدمة منزلية فحسب ، إنما الأداة التي تمكنه من تشغيل عمله، وبالتالي الحصول على المال الذي يشتري به الطعام.
ويقول متوكل لـ”التحول” إن دخله في أفضل الأيام يتراوح بين 15 و20 ألف جنيه، وهو مبلغ بالكاد يكفي احتياجات أسرة يعيل نحو خمسة أفراد، خصوصاً في ظل الأسعار الحالية.
فإذا كان كيلو اللحوم يقترب من 40 ألف جنيه ولتر الزيت يتجاوز 12 ألف جنيه، فإن دخل يوم كامل قد يختفي في شراء احتياجات محدودة جداً.
يقول متوكل “لقد تعبنا يا أستاذ.. لم يعد بالإمكان تحمل أكثر مما نعانيه.”
يمضي الرجل ساعات أمام متجره، ثم يعود أحياناً إلى منزله من دون أن يحقق دخلاً.
ويستطرد “أجلس منذ السادسة صباحاً إلى السادسة مساءً في انتظار الكهرباء، وأعود إلى البيت بخفي حنين.”
ولولا المساعدات التي يرسلها إليه أصدقاؤه وإخوانه، يقول متوكل، لما استطاع توفير الطعام لأطفاله.
ثم يطرح السؤال الذي يتكرر على ألسنة كثيرين” إلى متى سيظل الحال كما هو؟”
البنشر.. عجلات متوقفة ودخل يتآكل
في حي آخر من جنوب الخرطوم، تتكرر الحكاية بصورة مختلفة.
” النور آدم” يعمل في محل بنشر، مصدر دخله يعتمد على حركة السيارات والدراجات، وعلى توفر الكهرباء لتشغيل بعض المعدات والخدمات المساعدة،لكن الحرب غيّرت طبيعة المنطقة، انخفضت حركة المواطنين، وتراجعت القدرة الشرائية، وأصبح انقطاع الكهرباء عقبة إضافية أمام استمرار العمل.
ويقول النور لـ ” التحول”
اقضي ساعات طويلة داخل محلي
في انتظار عودة التيار. ومع كل ساعة تمر من دون كهرباء، تتراجع فرصتي في كسب دخل يومي.
ويمضي ” لم تعد المشكلة في عدد الزبائن فقط، فالزبون قد يصل بالفعل، لكنه قد يجد أن الخدمة التي يحتاج إليها متوقفة بسبب غياب الكهرباء.
الكهرباء بالنسبة إلى هؤلاء ليست مجرد خدمة عامة حسب ” النور “
إنها الفاصل بين يوم عمل ويوم بلا دخل.
وبالنسبة إلى أسرة تعيش على ما يكسبه ربها يومياً، فإن خسارة يوم واحد قد تعني تأجيل وجبة، أو شراء دواء، أو دفع ثمن حاجة أساسية.
حين يصل نقص الغذاء إلى الجسد
على مقعد بسيط أمام منزله في الشقيلاب، يجلس الرجل الستيني (ف. م.)، البالغ من العمر 65 عاماً.
يتحدث عن حرب لم تترك آثارها في الشوارع والمنازل فقط، وإنما وصلت إلى جسده.
خلال السنة الأولى من القتال، بدأت حالته الصحية في التدهور. ظهرت مشكلات في العين، تطورت إلى العمى الليلي، ثم ظهرت أعراض أخرى شملت الدوار وصعوبة الحركة وتغير لون البشرة.
ويقول إن سوء التغذية أثّر أيضاً في ذاكرته وتركيزه، حتى أصبح يجد صعوبة أحياناً في تذكر أسماء أشخاص يعرفهم منذ سنوات.
وبحسب روايته، ربط الأطباء هذه المشكلات بسوء التغذية ونقص العناصر الغذائية الأساسية.
تمكن من علاج مشكلة العمى الليلي، لكن آثار الأزمة الصحية لم تختفِ بالكامل.
المشكلة، كما يقول، لم تعد في وجود الطعام من عدمه فقط، وإنما في القدرة على شراء طعام متوازن.
يقول “لم نعد نستطيع شراء الخضروات أو اللحوم، وحتى السمك الذي كان متوفراً وبأسعار معقولة أصبح بعيد المنال.”
الجنيه ينهار.. والأسرة تدفع الثمن
لا يمكن فصل هذه القصص عن الانهيار الكبير في القوة الشرائية للجنيه السوداني.. في أغسطس 2026، تراجع الجنيه من نحو 570 جنيهاً للدولار قبل الحرب إلى نحو 6000 جنيه، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع المستوردة وكلفة المعيشة.
لكن المشكلة لا تكمن في سعر الدولار وحده.
الحرب عطلت طرق التجارة والإنتاج، ورفعت كلفة النقل والطاقة، وأضعفت الأسواق المحلية، فيما أصبحت الأسر التي تعتمد على الدخل اليومي الأكثر تعرضاً للصدمات.
وتؤكد قاعدة بيانات البنك الدولي الخاصة بأسعار الغذاء في السودان أن الرصد يشمل أسواقاً داخل ولاية الخرطوم إلى جانب عدد كبير من الأسواق في الولايات الأخرى، ويتابع سلعاً أساسية مثل الذرة الرفيعة، الدخن، الزيت، البصل، السكر واللحوم.
الأزمة ليست في الطعام وحده
في الخرطوم اليوم، لا تقاس الأزمة بعدد المنازل التي هُدمت فقط.
هناك من بقي منزله قائماً، لكنه فقد عمله.
وهناك من عاد إلى حيه، لكنه لم يجد المدرسة أو المستشفى أو السوق كما كانت…. وهناك من يملك محلاً، لكنه لا يستطيع تشغيله…وهناك من يستطيع العمل، لكنه ينتظر الكهرباء، … وهناك من يجد الطعام، لكنه لا يستطيع شراء الدواء… وهناك أسر أصبح حسابها اليومي بسيطاً وقاسياً… هل نشتري الطعام أم الدواء؟ هل ندفع ثمن الكهرباء أم نحتفظ بما تبقى من المال للخبز؟
في هذه المعادلة، يصبح انقطاع الكهرباء أكثر من ظلام، ويصبح ارتفاع سعر الزيت أكثر من رقم على رف متجر، ويصبح الرغيف الواحد جزءاً من معركة أكبر.




