اسلاميو السودان.. هل انحنت الرايات أمام العاصفة؟

بين أروقة القرار العسكري وحسابات القوى الإقليمية ومشاكل التنظيم الداخلي، تتزايد التكهنات بأن الإسلاميين في السودان مقبلون على تحولات كبيرة.
ويتحدث مراقبون عن أن المجموعات المنتمية إلى التيار الإسلامي تستعد للابتعاد عن الساحة على نحو مخطط لإعادة ترتيب الأوراق، بينما تؤكد شواهد الميدان وتراجع خطوط التأثير أن ما يحدث هو انكماش اضطراري أملته كلفة الحرب وتغير التحالفات.
وبين هذين الحدين، تُفتح أبواب عديدة حول مستقبل الحركة الإسلامية السودانية، ليندفع السؤال التقليدي: هل يتراجعون بخطى محسوبة أم يتوارون تحت وطأة الأمر الواقع؟
تحولات جذرية
تكشف معطيات ميدانية وسياسية عن تحولات جذرية في طبيعة ومستوى مشاركة الكتائب المسلحة والمجموعات الإعلامية التابعة للتيار الإسلامي في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، عقب سلسلة من العقوبات الغربية الصارمة وتزايد الضغوط الإقليمية الداعية إلى تحجيم نفوذ النظام السابق داخل مؤسسات الدولة والأجهزة العسكرية.
وتشير تقديرات إلى مشاركة 10 كتائب وتشكيلات رئيسية وفرعية تابعة للحركة الإسلامية في القتال إلى جانب الجيش خلال حربه المستعرة ضد الدعم السريع، وفق مصادر خاصة تحدثت لـ “سودان تربيون”.
ومن أبرز التشكيلات العسكرية الميدانية «كتيبة البراء بن مالك» التي تعد الأكثر عددًا وتسليحًا، و«كتيبة البنيان المرصوص»، إلى جانب مجموعات «الأمن الشعبي» وقوات «الدفاع الشعبي» المحلولة سابقًا.
وكشفت مصادر عسكرية لـ “سودان تربيون” عن تقديرات بأن تصل الأعداد الكلية للمقاتلين العقائديين والمستنفرين الموالين للتيار الإسلامي المشاركين في خطوط النار إلى نحو 20,000 مقاتل يتوزعون على مختلف محاور القتال.
وأشارت المصادر إلى أن تلك المجموعات تكبدت خسائر تصل إلى مئات القتلى والمصابين منذ اندلاع النزاع في 15 أبريل 2023.
وأكدت أن أغلب قتلى تلك المجموعات سقطوا خلال مواجهات ضارية في ولاية الخرطوم، والجزيرة، وسنار، وكردفان، بالإضافة إلى الخسائر الناتجة عن الضربات الجوية والمسيّرات، والتي كان أبرزها استهداف تجمعاتهم وقياداتهم ميدانيًا كما حدث عند تعرضهم للقصف في مدينة عطبرة عام 2024، حيث أسفرت تلك الحادثة وحدها عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من العناصر القيادية والميدانية، لكن التنظيم تكتم كليًا عن تفاصيلها.
ولم تقتصر مشاركة الإسلاميين على الميدان العسكري، بل امتدت لتشمل إدارة منظومة إعلامية ضخمة وغرف عمليات إلكترونية تولت توجيه الخطاب الإعلامي، وإدارة منصات إخبارية على مواقع التواصل الاجتماعي لتوجيه الرأي العام، وحشد الدعم الشعبي لصالح العمليات العسكرية، والتقليل من القوى السياسية المدنية ووصمها بالعمالة.
ورغم هذا النفوذ الميداني والإعلامي، بدأت ملامح التراجع تظهر على شكل انحسار متدرج لمظاهر العرض العسكري والبيانات الصحفية لتلك الكتائب.
وتؤكد مصادر داخل كتيبة البراء بن مالك، مغادرة قائد الكتيبة المصباح أبو زيد إلى الصين بعد رحلة طويلة تنقل فيها بين بلدان أفريقية، في حين تتحدث تقارير عن مغادرة أويس غانم، القيادي البارز في الكتيبة، إلى تركيا حيث لحق به مؤخرًا الناجي عبد الله، وعدد من القيادات الشابة بالكتيبة والمجموعات الأخرى.
وتشير متابعات ومصادر ذات علاقة بالمجموعات الإسلامية المقاتلة لـ “سودان تربيون” إلى انسحابات فردية للمقاتلين من المعارك، لكن بعض القيادات والمجموعات ما زالت موجودة تحت مسمى المقاومة الشعبية.
وفي معارك كردفان الدائرة حاليًا، جرى التأكد من استمرار مشاركة متفاوتة لهذه المجموعات مع ما يعرف بالقوة المشتركة.
حصار العقوبات
وشكلت العقوبات الفردية التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على «كتيبة البراء بن مالك» وعدد من القيادات الإسلامية البارزة، إلى جانب العقوبات المفروضة على رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان وقيادات عسكرية، نقطة تحول محورية.
وأدت هذه العقوبات إلى وضع قيادة الأركان أمام ضغوط دولية مكثفة تخشى من إدراج المؤسسة العسكرية رسميًا ضمن قوائم الداعمين للإرهاب أو الكيانات الخاضعة للعقوبات التلقائية.
وبحسب مصادر متطابقة تحدثت لـ «سودان تربيون»، أصدرت قيادة هيئة الأركان تعليمات صارمة تحظر ظهور أي شعارات أو رايات للكتائب الإسلامية في مناطق العمليات، وإلزام جميع المقاتلين بالانخراط الشكلي والتنظيمي تحت مظلة «المقاومة الشعبية» أو المستنفرين التابعين للفرقة العسكرية في كل ولاية، تجنبًا لإحراج قيادة الجيش أمام المجتمع الدولي.
ويقول المختص في العلاقات الدولية والدبلوماسي السابق أحمد عبد النبي، إن هذا التضييق الداخلي تزامن مع رغبة القيادة العسكرية في الحفاظ على خطوط تواصل دافئة مع حلفاء إقليميين بارزين، وفي مقدمتهم السعودية، التي تقود جهودًا وسيطة عبر منبر جدة لتسوية الأزمة السودانية.
لكنه عاد وذكر لـ “سودان تربيون” أن مساعي الجيش تصطدم بالحصول على غطاء سياسي واقتصادي إقليمي بوجود نفوذ كوادر النظام القديم في واجهة المشهد السياسي والعسكري، مما دفع هيئة الأركان إلى اتخاذ قرارات حاسمة لإبعاد الشخصيات والتشكيلات المثيرة للجدل عن الواجهة الإعلامية.
الانسحاب التكتيكي
وتنعكس هذه التحولات في شهادات مقاتلين سابقين تؤكد حالة التراجع والانسحاب التدريجي لعناصر الكتائب بعد تحولات الموقف العسكري والسياسي.
ويقول أحمد مصطفى، وهو مقاتل سابق في كتيبة «البنيان المرصوص»، لـ “سودان تربيون” إنهم خاضوا المعارك بدافع وطني وحماية للمؤسسة العسكرية عندما كانت الخرطوم على وشك السقوط، لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن قيادة الجيش بدأت تتحسب لوجودهم وتعمل على التخلص من ثقلهم الميداني تجنبًا للعقوبات الدولية وامتصاصًا للضغط الإقليمي، ما دفعه للانسحاب والتوقف عن المشاركة.
ولم يرد المسؤولون في كتيبة البراء على استفسارات وسائل الإعلام، معتمدة بالكامل على إصدار بيانات أو تصريحات على صفحة رئيسها على وسائل التواصل الاجتماعي.
من جانبه، كشف محمد عبد الوهاب، وهو عنصر سابق في «كتيبة البراء بن مالك»، عن دوافع خروجه من جبهات القتال والعودة إلى نشاطه الزراعي، مشيرًا إلى تغير المعادلة الميدانية بعد صدور قوائم العقوبات والغارات الجوية المتكررة، وغياب قيادات الكتيبة التي كانت تحث على الصمود، حيث غادر معظمهم أو تواروا عن الأنظار لتأمين أنفسهم، مما دفعه لمغادرة معسكرات الاستنفار.
استيعاب الصدمة
ويرى مراقبون أن ابتعاد الإسلاميين خطوة إلى الوراء لا يعني بالضرورة تخليهم الكامل عن المشهد، بل يمثل تكتيكًا لاستيعاب الصدمة وتفادي استهداف الجيش كليًا بالعقوبات الدولية، مما يمنح القيادة العسكرية مساحة أكبر للتفاوض مع الأطراف الدولية والإقليمية.
وفي ظل تسارع التطورات الميدانية والسياسية، يسلط الموقف الراهن للتيار الإسلامي الضوء على تحول بنيوي في استراتيجيته السياسية، حيث تشير التطورات إلى تراجع القيادات الفاعلة خطوة إلى الخلف، وترك مساحة التعبير السياسي والقيادة الميدانية للمؤسسة العسكرية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية د. محمد إدريس، أن هذا المتغير الجوهري ليس نتيجة مراجعات فكرية أو سياسية داخلية بحتة، بل جاء محصلة لتقاطع ضغوط إقليمية متزايدة مع حزمة عقوبات دولية استهدفت شخصيات وكيانات محسوبة على التيار، مما فرض على الحركة الإسلامية خيارات صعبة تتمثل إما بالانكفاء والتواري خلف لافتة الجيش، أو مواجهة عزل سياسي ودولي شاملين.
ورأى إدريس في حديث لـ “سودان تربيون” أن العقوبات الفردية والمؤسسية شكلت نقطة تحول حاسمة لأنها استهدفت القيادات البارزة وتجميد الأصول وحظر التعاملات المالية إلى وضع الحركة تحت مجهر الرقابة الدولية، ونزع هامش المناورة السياسية الخارجية عنها وجعل قياداتها عبئًا دبلوماسيًا.
الجدار المتماسك
وعلى الصعيد الإقليمي، واجه إسلاميو السودان جدارًا متماسكًا من الرفض، وفق آراء المراقبين، حيث أوضحت العواصم الإقليمية المؤثرة أن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تُقبل إذا تضمنت إعادة إحياء واجهات الحركة الإسلامية أو حزب المؤتمر الوطني المحلول، مما وضع الجيش في موقف حرج يقتضي توضيح مسافته من الإسلاميين لضمان تدفق الدعم وتحديد مسارات التواصل الإقليمي.
وفي هذا السياق، يطرح التحليل السياسي فرضيتين لتفسير هذا السلوك، الأولى وفق حديث أستاذ العلوم السياسية في الجامعات السودانية د. محمد إدريس، ترى وجود عزل تكتيكي يمارس فيه الإسلاميون انحناءً مؤقتًا أمام العاصفة عبر الانخراط في صفوف “المقاومة الشعبية” كمواطنين دون رفع لافتات حركية، لحفظ قواعدهم وتجنب الاستهداف المباشر بانتظار تبدل الظروف.
أما الفرضية الثانية، فترجح وجود تخلي اضطراري ناتج عن إدراك التيار وصول مشروعه بصيغته القديمة إلى طريق مسدود، وأن استمرار التصدر سيعجل بتصفية وجوده بالكامل.
ويكمل: “رغم أن التراجع خلف المؤسسة العسكرية يمنح الإسلاميين حماية مرحلية، إلا أنه يفرض كلفة سياسية باهظة على المدى البعيد، تتجسد في فقدان الاستقلالية السياسية وارتهان القرار بتحركات القيادة العسكرية، وتآكل الواجهات التنظيمية جراء استبدال الشعارات الحركية بالخطاب الوطني العام، فضلاً عن صعوبة العودة لموقع الصدارة السياسية مستقبلاً”.
مغادرات بالجملة
ويبرز حدث مغادرة القيادي البارز في التيار الإسلامي، الناجي عبد الله، إلى العاصمة التركية أنقرة لاستئناف دراسته التخصصية في طب العظام، كدليل يحمل أبعادًا أعمق من كونها رحلة أكاديمية.
ويكشف هذا التحول عند د. إدريس، عن الديناميكيات الخفية والصراعات البنيوية التي تعاني منها جبهة حلفاء الجيش، لا سيما المكونات العقائدية التي وجدت نفسها في قلب المعركة.
ويحمل الناجي عبد الله رمزية خاصة داخل وجدان التيار الإسلامي بصفته نموذجًا للمقاتل الذي يمزج بين الخطاب الحماسي والتواجد الميداني المباشر. وغير أن الظروف المحيطة بالمغادرة تحمل اعترافًا ضمنيًا بأن دور هذه القيادات الميدانية وصل إلى محطة حرجة تستوجب التراجع أو إعادة التموضع بعيدًا عن أتون الخرطوم ومحاور القتال المباشرة.
ويقول المحلل السياسي والدبلوماسي السابق عبد العظيم محمد، لـ “سودان تربيون” إن تطابق مغادرة الناجي عبد الله مع سياق التراجع التكتيكي المدروس لتيار الإسلاميين يأتي جراء الضغوط الإقليمية والدولية الدبلوماسية.
واعتبر أنه منذ فرض العقوبات الغربية، بات وجود الوجوه الإسلامية في خطوط المقدمة عبئًا استراتيجيًا على المؤسسة العسكرية، لأن الجيش يسعى لتجنب الإدراج في قوائم الإرهاب والحفاظ على علاقاته مع المحاور الإقليمية والدولية الفاعلة.
تجفيف الموارد
على جانب آخر، تربط مصادر داخل تلك المجموعات تحدثت لـ “سودان تربيون” شريطة حجب هويتها، بين الانسحاب العسكري والإعلامي، والتراجع نحو تأمين أذرع التمويل وشركات الظل بعد أن طالت العقوبات والتضييق تجفيف الموارد المالية للكتائب، والمغادرة للخارج هي لإعادة إدارة هذه الأموال من بيئات آمنة.
ورأت في الوقت نفسه، أن مقاطعة ومغادرة القيادات الشابة يعكس حالة إحباط داخلي أو انشقاقًا غير معلن وليس مجرد انسحاب تكتيكي موحد، وفق قولها.
سودان تربيون




