الأخبـار

الحرب تسحق الإنتاج وتضخّم ديون السودان

اعتبر مختصون واقتصاديون أن تصدر السودان قائمة الدول الأعلى مديونية في العالم يعكس قسوة اقتصاد الحرب وانهياراً كلياً مزدوجاً لاقتصاد البلاد، فيما رأى آخرون الأمر طبيعياً باعتبار أن الحرب قضت على الأخضر واليابس ودمّرت القدرات الإنتاجية في البلاد، خاصة الصناعة والزراعة، وحتى الإنتاج الحيواني تعرض للسرقة والتهريب إلى دول الجوار.

وتصدر السودان قائمة الدول الأعلى مديونية في العالم، وفقاً لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، مسجلاً 334.4%، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2026. وتعني هذه النسبة أن حجم الدين يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للسودان، ما يعكس ارتفاع عبء المديونية مقارنة بحجم الاقتصاد، دون أن يعني بالضرورة أن السودان يمتلك أكبر قيمة مطلقة من الديون على مستوى العالم. ويأتي ذلك في ظل تصاعد المخاوف الدولية بشأن تفاقم الدين العام وتزايد الضغوط على المالية العامة، الأمر الذي يحدّ من قدرة الحكومات على مواجهة الصدمات الاقتصادية وتوفير التمويل اللازم للاحتياجات الأساسية.

ويقول المحلل المالي والمصرفي أحمد بن عمر لـ”العربي الجديد” إن وصول تقديرات الدين الحكومي السوداني إلى 334.4% من الناتج المحلي في عام 2026 يكشف حجم الفجوة بين الالتزامات المتراكمة على الدولة وقدرة الاقتصاد على توليد الدخل. ويرى أن أخطر دلالات هذا المؤشر هي ثقل المديونية على اقتصاد يحتاج إلى تمويل استعادة الإنتاج والخدمات وإعادة الإعمار، بينما تضيق أمامه فرص الحصول على التمويل بشروط ميسرة. فتفسير هذه النسبة يحتاج إلى النظر إلى طرفي المعادلة: رصيد الدين وحجم الناتج المحلي.

ويلفت إلى أن الحرب عطّلت أنشطة إنتاجية وتجارية وأضعفت موارد الدولة، ومع انكماش الاقتصاد تصبح الديون القائمة أكبر قياساً إلى قدرته الاقتصادية، كذلك يمكن لتراجع الجنيه أن يرفع القيمة المحلية للديون المقومة بالعملات الأجنبية، ويتوقف أثر ذلك على النسبة النهائية على حركة الناتج الاسمي وسعر الصرف المستخدم في التقدير. ويضيف أحمد بن عمر أن للسودان خصوصية مهمة، تتمثل في تراكم ديون قديمة ومتأخرات وفوائد عبر سنوات طويلة، وقد أظهر تقييم المديونية عند الدخول في مسار الإعفاء عام 2021 أن نحو 92% من الدين الخارجي العام والمضمون حكومياً كان متأخرات بنهاية 2020، وهذا يوضح كيف يمكن أن يتضخم عبء الدين مع مرور الزمن، حتى مع محدودية الحصول على قروض جديدة.

أحد أسواق أم درمان، 22 أكتوبر 2025 (إبراهيم حامد/فرانس برس)

وينعكس هذا الوضع على المواطن من خلال صعوبة تمويل الكهرباء والمياه والصحة والبنية الأساسية، وضعف قدرة الدولة على دعم التعافي الاقتصادي. ويشرح أن تقدير الضغط المباشر على الموازنة يتطلب معرفة الأقساط والفوائد المستحقة والمدفوعة فعلياً، لأن نسبة الدين إلى الناتج تقيس رصيد الالتزامات، بينما خدمة الدين تقيس المدفوعات المطلوبة خلال فترة محددة.

ويرى بن عمر أن المعالجة تبدأ بوقف الحرب واستعادة الإنتاج والصادرات، بالتوازي مع تحديث سجل المديونية ونشر تفاصيل الدائنين والمتأخرات والضمانات الحكومية، وتهيئة شروط استئناف مسار إعفاء الديون، فقد بلغ السودان نقطة القرار في مبادرة الهيبك في يونيو/حزيران 2021، وكان استكمال الإعفاء مرتبطاً بمراحل وإصلاحات ومشاركة الدائنين. ويقول إن تمويل إعادة الإعمار ينبغي أن يعطي الأولوية للمنح والتمويل الميسر، وأن يرتبط أي اقتراض جديد بمشروعات واضحة العائد والقدرة على السداد، حتى تسهم إعادة الإعمار في توسيع الاقتصاد وتحسين موارده.

أما الخبير المصرفي وليد دليل فيقول لـ”العربي الجديد” إن هناك انكماشاً حاداً ومتواصلاً في القاعدة الإنتاجية بالتزامن مع تراكم كارثي للالتزامات الخارجية والداخلية وتوقف القدرة تماماً على خدمة الدين. ووصف دليل المؤشر بالخطير، إذ إن انكماش الاقتصاد السوداني بأكثر من 29% في عام 2023، وبنسب متفاوتة بعدها بفعل خروج قطاعات كاملة من الخدمة، يرفع نسبة الدين إلى الناتج بشكل دراماتيكي، مما يجعل أي رقم دين ثابت أو متزايد يبدو فلكياً عند نسبته إلى ناتج منكمش. ويقول دليل إن الجزء الأكبر من هذا الدين ليس قروضاً جديدة لتمويل مشروعات تنموية، بل هو متأخرات وفوائد متراكمة وجزاءات على قروض تعثر سدادها لعقود بسبب تجميد العلاقات ومسار الأزمة السياسية، فتتضخم الأرقام ذاتياً في ظل غياب أي برنامج لإعادة هيكلة الديون أو الاستفادة من مبادرة الدول المثقلة بالديون.

ويرى أنه بهذه النسبة يخرج السودان تماماً من خريطة الاقتراض الدولي أو التجاري من الأسواق العالمية، فلا توجد مؤسسة مالية دولية أو مصرف تجاري عالمي يقرض دولة تتجاوز ديونها 3 أضعاف ناتجها إلا ضمن صيغ المنح والمساعدات الإنسانية البحتة (وهي لا تمر غالباً عبر الخزينة العامة للدولة).

كما أن عجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها الخارجية والداخلية يضغط بدوره على العجز المالي، وغالباً ما يُدار هذا العجز بطرق نقدية (مثل الإصدار النقدي لتغطية النفقات الضرورية كالأجور)، وهو ما يغذي التضخم ويُبقي الجنيه السوداني تحت ضغط هبوط مستمر، مدمراً القدرة الشرائية للمواطنين كما توضح أرقام الفقر المتصاعدة. ويقول دليل إن نسبة تتجاوز 300% تعني بوضوح أن “خدمة الدين” (سداد الأصل والفوائد) باتت مستحيلة تماماً بالاعتماد على الإيرادات المحلية الحالية، لا سيما في ظل تراجع الحصيلة الضريبية والجمركية وفقدان السيطرة على عدد من الموارد السيادية.

الأضرار لحقت بمحطة المرخيات للطاقة عقب هجوم المسيرات، السودان، 28 أكتوبر 2026 (Getty)

أما الاقتصادي هاشم عبد الله رحمة فوصف في حديثه لـ”العربي الجديد” الأمر بالطبيعي لأن الحرب قضت على الأخضر واليابس وتسببت في تدمير ممنهج للقدرات الإنتاجية في البلاد، علماً بأن الذي حدث من خراب ممنهج كان بخطة مرسومة لزعزعة استقرار البلاد ونهب ثرواتها، خاصة إنتاج الذهب الذي يتم تهريبه بكميات كبيرة إلى الخارج بواسطة محترفين بالتنسيق مع عملاء الداخل.

ويشير إلى أن الحرب ما زالت مستمرة للاستحواذ على ما هو في باطن الأرض وخارجها، مطالباً القائمين على أمر إدارة شؤون الدولة بالانتباه لأن المعركة لن تنتهي بسهولة. ويرى أن من ضمن العوامل التي تأثر بها الاقتصاد السوداني سلباً الخراب الممنهج المتمثل في زيادة أسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه السوداني واختلاق ندرة في أسواق السلع الغذائية.

ويقول: “لا بد من التركيز على معاش الناس خلال الفترة المقبلة ودحر التمرد والقضاء على عملاء الداخل والخارج واتخاذ إجراءات قانونية لمحاسبة كل من أجرم في حق الوطن ومعاش المواطن”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى