ترسيخ منطق “المحصلة الصفرية”.. عواقب الصراع في السودان طويلة الأمد

يتجه الصراع الممتد في السودان بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع نحو مسار معقد، تحول فيه النزاع المسلح من مواجهة أمنية داخلية إلى حرب وكالة واستنزاف تؤكد التقارير الأممية أن المحرك الأساسي لإطالة أمدها هو استمرار تدفق الأسلحة المتطورة وتقويض فرص الحل السياسي.
وقالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو في أغسطس الحالي، إن عواقب الصراع في السودان ستكون طويلة الأمد، “وينبغي أن تثير صدمتنا جميعا”، مشددة على أنه لم يعد بوسع الشعب السوداني الانتظار أكثر من ذلك.
ويرتبط الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة والمنظومات الحديثة بدعم خارجي مستمر بالعتاد والخبرات، وهو ما يغذي وهم الحسم العسكري لدى الطرفين ويجعلهما يرفضان التنازلات السياسية، بالتوازي مع ظهور مجموعات مسلحة جديدة تحالفت مع أطراف الحرب ورفعت من مستوى تشظي المشهد الميداني.
وتلقي الحرب بظلالها الإنسانية عبر نزوح وفرار أكثر من 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها وتضرر القطاعات الأساسية كالصحة والتعليم، مما يضع ثلثي السكان أمام حاجة ماسة لمساعدات عاجلة ويعرض أجيالاً كاملة لخطر الحرمان والفقر الشديد نتيجة انهيار العملة وتدمير البنية التحتية.
ويمتد أثر هذا النزاع ليطال الاستقرار الإقليمي من خلال تحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للتنافس على الموارد والسيطرة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، إلى جانب مخاطر اتساع نطاق أزمة اللاجئين وسيولة الحدود التي توفر بيئة خصبة لشبكات التهريب والجريمة المنظمة والدول المجاورة.
ويتطلب الخروج من هذه الكارثة إرادة دولية صارمة تفرض حظراً شاملاً لتدفق الأسلحة وتضغط بفاعلية لتوفير ممرات إنسانية ووقف إطلاق النار، بما يمهد الطريق لعملية سياسية شاملة تقودها القوى المدنية لإعادة بناء المؤسسات الوطنية وإيقاف هذا التدهور المستمر.
وتستند شبكة الدعم الخارجي للجيش السوداني إلى تحالفات استراتيجية تضم مصر وتركيا وإيران وروسيا، حيث تمد مصر الجيش بدعم لوجستي وجوي واستخباري بحكم عمقها الأمني، بينما وفرت تركيا وإيران تقنيات المسيرات الحديثة (مثل مهاجر-6 وبيرقدار) التي رجحت كفته الميدانية في عدة مناطق.
وتتلاقى المصالح الروسية مع الطرفين بناءً على براغماتية النفوذ، حيث تسعى مسكو للوصول إلى الموانئ الدافئة على البحر الأحمر عبر اتفاقيات القاعدة البحرية مع قيادة الجيش، بالتوازي مع التواجد الاستخباري والميداني لسلسلة شبكات “فاغنر” التي ارتبطت سابقاً بتجارة الذهب واللوجستيات لمصلحة قوات الدعم السريع.
وتتلقى قوات الدعم السريع إمدادات عسكرية ومالية معقدة تتهم فيها التقارير الأممية والأمريكية دولة الإمارات بتقديم الدعم عبر شبكات طيران وخطوط إمداد تمر عبر دول الجوار مثل ليبيا وتشاد، وتدعم هذه الجسر اللوجستي عمليات المقايضة المالية القائمة على تهريب الذهب السوداني.
ويؤدي هذا الانقسام الإقليمي إلى تحويل السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين المحاور المتنافسة على نفوذ البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مما يطيل أمد النزاع ويصعّب على الأطراف الدولية فرض حظر سلاح فعال أو الوصول لوساطة موحدة تلزم الطرفين بوقف القتال.
وتُشكل حالة الارتهان الكامل لأطراف النزاع السوداني للمحاور الخارجية خطراً داكناً يهدد بتقويض مفهوم السيادة الوطنية تماماً، حيث تحول القادة الميدانيون إلى منفذين لأجندات وقوى إقليمية ودولية تضع مصالحها الجيوسياسية فوق الدماء السودانية وحرمة مؤسسات الدولة.
أن استمرار هذا التدفق التسليحي الخارجي سيؤدي بالضرورة إلى فشل أي مبادرات حوار مرتقبة يطرحها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أو غيره من الأطراف، كون القرارات العسكرية والسياسية لم تعد ملكاً للداخل السوداني بل أصبحت رهينة لغرف العمليات والإمداد الخارجية.
هذا الارتهان يغذي وهم الحسم العسكري لدى الطرفين ويرفض تقديم أي تنازلات في مناضد التفاوض، مما يُنذر بالتحول النهج في السودان إلى سيناريو صوملة أو تفتيت كامل، تُدار فيه الحرب بالوكالة لأجل غير مسمى على حساب تدمير ما تبقى من مقومات الدولة والمجتمع.
ويتطلب تفكيك شبكات التدخل الخارجي وفرض حظر حقيقي على تدفق الأسلحة إلى السودان ممارسة أدوات ضغط دولية وقانونية تتجاوز البيانات الدبلوماسية، عبر استهداف شبكات تجارة الذهب المهرب وتتبع سلاسل الإمداد اللوجستي التي تمول القتال وتغذي الصراع.
وتستدعي الأزمة توسيع نطاق قرار مجلس الأمن الخاص بحظر التسلح في دارفور ليشمل كافة الأراضي السودانية، مع فرض تدقيق دولي ومراقبة صارمة على حدود البلاد وموانئها الجوية والبحرية لمنع وصول أي شحنات تسليح جديدة لطرفي الحرب.
ينبغي التلويح بعقوبات وملاحقات جنائية عبر المحكمة الجنائية الدولية ضد الأطراف الإقليمية والدولية المتورطة في توريد العتاد، بالتوازي مع تفعيل آليات الرصد المالي لقطع الشرايين المدمجة التي تغذي أمراء الحرب واستمرارية المواجهات.
ويشكل توحيد القوى المدنية والسياسية السودانية ركيزة أساسية عبر تبني رؤية شجاعة ترفض التدخلات الخارجية كلياً، وتنزع الشرعية السياسية عن القيادات العسكرية المرتهنة للخارج في حال إصرارها على استمرار الاقتتال وتدمير البلاد.
المصدر: التحول+ وكالات




