مقالات

الحركة الإسلامية السودانية.. لا تغيير في المنهج أو المشروع

محمد أبو الفضل

الحركةالاسلامية بدأت التفكير في إرسال وفود إلى مصر والسعودية لطمأنتهما، والسعي نحو فتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
عاد الحديث عن الحركة الإسلامية في السودان يطفو على السطح مؤخرا، كمحاولة لحجز مكان لها في أي خارطة سياسية تلي انتهاء الحرب الحالية في السودان. والإيحاء باتخاذ ترتيبات تشير إلى وجود تحولات في أهدافها، وتخفيف حدة الانتقادات التي وجهت إليها من أطراف عدة وحمّلتها مسؤولية اندلاع الحرب الراهنة بين الجيش وقوات الدعم السريع، والعمل على إطالة أمدها لحصد مكاسب سياسية. لكن الخطوات التي قامت بها الحركة لا تنطوي على تغيير ملموس في المنهج أو المشروع.
المشكلة أن موقع الحركة الإسلامية لم يعد شأناً سودانيا داخلياً يؤثر في تحديد شكل الدولة، والتسوية السياسية المنتظرة، وطبيعة العلاقة بالمحيطين الإقليمي والدولي. فقد حكمت الحركة التي تضم طيفا إسلاميا واسعا السودان نحو ثلاثة عقود عبر حزب المؤتمر الوطني (المنحل)، ثم دُفعت إلى الظل بعد ثورة ديسمبر 2018 وما تلاها من أحداث، أبرزها سقوط نظام عمر البشير.
وجدت الحركة في الحرب التي اندلعت بين الجيش والدعم السربع فرصة لاستعادة النفوذ من بوابة توفير المزيد من الانخراط في دعم الجيش وتوظيف حاجته إلى قوة منظمة للتعبئة والقتال. ومع إطالة أمد الحرب وانسداد أفق التسوية السياسية، بدت الحركة الإسلامية كأنها تحاول العثور على حضور ميداني لها بواجهة جديدة، من دون ادخال تعديلات حقيقية في ثوابت المنهج السياسي وقواعد المشروع الفكري.
اكتسبت المعلومات المتداولة بشأن اجتماع عقد في منكقة الكدرو بشمال الخرطوم بحري في 24 أغسطس 2026، برئاسة الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي ومشاركة رئيس حزب المؤتمر الوطني (المنحل) أحمد هارون وقيادات من ولايات مختلفة، دلالة تتجاوز مجرد الاجتماع. حيث أشارت تقارير سودانية إلى بحث استكمال البناء التنظيمي، وإعداد كوادر الصفين الثاني والثالث للظهور العلني، والعمل على طرح اسم جديد للحركة، والاستعداد لأي انتخابات يمكن إجراؤها مستقبلا، فضلا عن بناء شبكة علاقات خارجية تساعد على فك العزلة السياسية.
بدأت الحركة التفكير في إرسال وفود إلى مصر والسعودية لطمأنتهما، والسعي نحو فتح قنوات اتصال مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع التعويل على مساعدات سياسية سخية من تركيا وقطر. بهدف الوصول إلى صيغة تضمن للحركة مكاناً في المشهد السياسي المقبل، وتبديد المخاوف من نفوذها المتصاعد في المؤسسة العسكرية.
المفارقة الرئيسية هنا أن الحركة الإسلامية تحتاج إلى الجيش للحفاظ على نفوذها الميداني والسياسي، وتحتاج إلى إقناع الخارج بأنها لا تسيطر على المؤسسة العسكرية. كما تحتاج إلى علاقات إقليمية متوازنة، وتدرك أن القاهرة والرياض تنظران بقلق إلى إمكانية عودة الحركة الإسلامية إلى واجهة السلطة مرة أخرى.
يبدو أن تغيير الواجهة يمثل جزءاً من المعركة السياسية الراهنة. فالحركة تتجه إلى تبني خطاب مختلف عن “المشروع الحضاري” الذي ارتبط بحكم البشير، لتقدم نفسها كمدافعة عن الدولة الوطنية ومؤسساتها في مواجهة ما تسميه مشروع “التفكيك”.
إنه انتقال من خطاب أيديولوجي صريح إلى خطاب وطني، بغرض تغيير الصورة النمطية للحركة من مشروع يسعى للسيطرة على الدولة إلى قوة تدافع عنها.
المشكلة أن استبدال الاسم بآخر، مهما كان المسمى، لن يحل أزمة البنية الداخلية في الحركة. فمنذ المفاصلة التي تمت عام 1999 بين حسن الترابي وعمر البشير، انقسم الإسلاميون بين حزبي المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي. ثم ظهر خلاف جديد حول شرعية قيادة المؤتمر الوطني المنحل بعد اختيار أحمد هارون رئيساً له في نوفمبر 2024، وهو ما رفضته مجموعة أخرى بقيادة إبراهيم محمود حامد.
جانب ذلك توجد واجهات ائتلافية، أبرزها “التيار الإسلامي العريض” الذي انتُخب علي كرتي رئيساً له في يونيو الماضي، وأذرع مسلحة مثل “كتيبة البراء بن مالك” المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، إضافة إلى تشكيلات تضم عناصر أمنية وعسكرية سابقة. لذلك ظهرت الحركة أقرب إلى مجموعة من مراكز القوى منها إلى تنظيم مركزي موحد.
تزداد حساسية علاقتها بالجيش. فلا يمكن القول إن الحركة تملك المؤسسة العسكرية أو تتحكم بها بالكامل. فالجيش يمتلك السلاح والرواتب والشرعية الرسمية وحساباته الخاصة. ويصعب في المقابل تجاهل مؤشرات التغلغل الإسلامي في بعض مكوناته، أو العلاقة مع تشكيلات مسلحة موالية له.
أصبحت عملية نفي السيطرة على الجيش جزءاً أساسياً من خطاب الحركة. وهذا يعني أن الاتهام بات مؤثراً خارجيا. كما أن تصريحات أحمد هارون السابقة عن توقعه استمرار حكم الجيش بعد الحرب وإمكانية عودة المؤتمر الوطني (المنحل) والحركة الإسلامية عبر الانتخابات تقوض رواية الفصل بين الحركة والمؤسسة العسكرية.
يستند الرهان على تركيا وقطر لتحسين صورتها إلى امتلاكهما قنوات اتصال إقليمية ودولية وعلاقات تاريخية مع التيارات الإسلامية. علاوة على تنامي الدور التركي في السودان، عسكريا وسياسيا. وتزامنت زيارة رئيس هيئة الأركان السودانية ياسر العطا إلى أنقرة في 17 أغسطس 2026 مع تصريحات داعمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لرئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، في ما عززت الخرطوم علاقاتها مع الرياض عبر إنشاء مجلس تنسيق ثنائي مؤخرا.
يصطدم إعادة تأهيل الحركة خارجياً بالعقبة الأميركية. تصنيفها منظمة إرهابية في مارس 2026 يجعل التراجع عن الموقف الأميركي صعباً، خصوصاً مع استمرار الحرب الحالية. صحيح أن القانون الأميركي يسمح نظرياً بمراجعة التصنيف إذا تغيرت الظروف، لكن تغيير الاسم وحده لا يكفي. المعيار هو تغير السلوك.
من المتوقع أن تدور معركة الحركة خلال الفترة المقبلة حول الشرعية، أكثر منها معركة حول النفوذ. قد تملك الحركة شبكات تنظيمية ومقاتلين وقدرة على التعبئة والحشد، إلا أنها تحتاج إلى اعتراف خارجي يحوّل نفوذها إلى دور سياسي.
من المرجح أن لا تتخلى الحركة الإسلامية السودانية عن مشروعها، وسوف تلجأ للعثور على صيغة للبقاء. قد يكون تغيير الاسم، والدفع بقيادات شابة، والذوبان في تحالفات أوسع، وتحويل بعض الأذرع المسلحة لواجهات مدنية، أدوات لإعادة تقديم نفسها. لكن النجاح سيبقى رهناً بمآلات الحرب وطبيعة تداعياتها، وموقف الجيش من حجم نفوذ الإسلاميين، ومواقف كل من مصر والسعودية وتركيا وقطر والولايات المتحدة. السؤال الحقيقي ليس هل تعود الحركة إلى السياسة علنا، إنما بأي اسم، وأي قيادة، وأي علاقة مع الجيش، وأي ثمن إقليمي ودولي ستكون مضطرة إلى دفعه؟
 Middle East

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى