الأخبـار

تعديل قانوني يهدد الصحافيين والسياسيين بالإعدام في السودان

أثارت تعديلات أجرتها الحكومة السودانية على القانون الجنائي لسنة 1991 مخاوف واعتراضات صحافيين وسياسيين وقوى مدنية في السودان بسبب إدراجها النشر الإلكتروني والإعلامي ضمن مادة متعلقة بالجرائم الموجهة ضد الدولة والتي تصل عقوبتها إلى الإعدام.

وحذرت أوساط قانونية من خطورة التعديل على العمل الصحافي وحرية التعبير في البلاد التي تشهد صراعاً مسلحاً منذ نحو أربع سنوات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خصوصاً أنه تزامن مع قرار آخر بتشكيل آلية لمكافحة جرائم المعلوماتية، لمراقبة “النشر الضار” والمخل بأمن الدولة والمجتمع عبر الوسائط الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي.

وأصدر رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين الماضي، مرسوماً مؤقتاً تحت الرقم 7 بموجب قانون التعديلات المتنوعة لسنة 2026 شمل إجراء تعديلات على عدد من القوانين. وتم نشر التعديلات عبر ملحق خاص في الجريدة الرسمية رقم 1982، وجاء ضمن ذلك تعديل على المادة 51 في القانون الجنائي في السودان لسنة 1991 الفقرة (أ).

وتتعلق المادة 51 بإثارة الحرب ضد الدولة، وتقول في الفقرة (أ): يعد مرتكباً جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ويعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد لمدة أقل مع جواز مصادرة جميع أمواله من يثير الحرب ضد الدولة عسكرياً، بجمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح أو العتاد أو يشرع في ذلك، أو يحرض الجاني على ذلك أو يؤيده بأي وجه. وجرى التعديل في نهاية الفقرة ليشمل النشر الإلكتروني والإعلامي.

انخفاض وتيرة النشر على مواقع التواصل الاجتماعي

وقد أثارت التعديلات اعتراضات ومخاوف صحافيين وسياسيين وناشطين في المجتمع المدني. ولوحظ بعد إجازة التعديل انخفاض كبير في وتيرة النشر والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين، الأمر الذي اعتبره مراقبون مؤشراً على خطورة التعديل، الذي تصل عقوبة مخالفيه إلى الإعدام أو السجن المؤبد لمجرد نشر رأي قد تعتبره الحكومة جريمة موجهة ضد الدولة بموجب القانون الجنائي.

وأعلنت نقابة الصحافيين السودانيين، في بيان أمس الجمعة، رفضها تعديل المادة 51 من القانون الجنائي لسنة 1991، وقرار رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس تشكيل الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية. وحذّرت من تداعيات هذه الإجراءات على حرية الصحافة والتعبير، والحق في الوصول إلى المعلومات، في ظل الحرب وما تفرضه من تحديات وقيود على العمل الصحافي في السودان. كما رفضت النقابة “الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية” التي شكّلها رئيس الوزراء في 19 الشهر الحالي، وحذرت من منحها أي صلاحيات لرصد ومتابعة وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، أو اتخاذ إجراءات بحق الناشرين استناداً إلى أوصاف فضفاضة من قبيل “النشر الضار والمخل بأمن الدولة والمجتمع”.

وأعلن تحالف التغيير الجذري (سياسي) في بيان، أول من أمس الخميس، رفضه التعديلات الأخيرة على القانون الجنائي، موضحاً أن التعديل يهدف إلى إدخال المنشورات الرقمية والمحتوى عبر الإنترنت والوسائط الإعلامية ضمن المواد القانونية المغلظة القائمة بالفعل. وطالب بإلغاء التعديلات، ووقف ملاحقة الصحافيين والناشطين بسبب آرائهم وأعمالهم المهنية السلمية، وضمان عدم استخدام القانون لتصفية الحسابات السياسية، إلى جانب مواءمة التشريعات السودانية مع المعايير الدولية لحرية التعبير وحقوق الإنسان، وضمان التناسب بين الأفعال والعقوبات.

التعديلات لم تميز بين الحريات والعدو في السودان

وفي هذا الصدد، قال الصحافي السوداني ماجد محمد علي، لـ”العربي الجديد”، إن التعديلات الخاصة بتغليظ العقوبة في قضايا النشر الإلكتروني جاءت مفارقة للسياق العام، وعلى النقيض من إعلان الحكومة فتح صفحة للحوار بين السودانيين، من خلال إعلان لجنة للحوار والالتزام بتوفير الضمانات المطلوبة كافة، وفي مقدمتها كفالة الحريات العامة وحرية التعبير على وجه الخصوص. وأضاف أن “التعديلات لم تميز بين الحريات المطلوبة للسودانيين وقواهم الحية في هذه المرحلة بالغة الدقة من تاريخ البلاد، وبين العدو الذي يستخدم الوسائط في شن حرب نفسية على الشعب والوطن لتحقيق أهداف خبيثة، من بينها إضعاف الجبهة الداخلية، والنيل من الروح المعنوية، وبث اليأس والإحباط، إلى جانب إثارة الفتن والانقسامات المجتمعية، وتأجيج النعرات القبلية والطائفية والمناطقية، والحض على الكراهية لتدمير اللحمة الوطنية”.

ماجد محمد علي: تطبيق التعديلات سيؤدي مباشرة إلى إجهاض مبادرة الحوار، وخلق مناخ غير مؤاتٍ للتوافق والتراضي

ولفت علي إلى أن أخطر ما يمكن حدوثه هو استخدام هذه التعديلات لاستهداف حرية التعبير والرأي والنشر الصحافي، عوضاً عن مجابهة الحرب التي يشنها العدو عبر الوسائط. وأكد “وجوب مراعاة أن الدولة قد دعت إلى حوار سوداني- سوداني يفتح الأفق المسدود، والتزمت بتهيئة المناخ، وقدمت ضمانات لترقية الأجواء في السودان وفتح المجال أمام جميع المواطنين للتداول حول قضايا الحوار الذي تتواصل جهود لجنته لإقناع الممتنعين والمشككين كافة بجدية الدولة والتزامها بمتطلباته، وعلى رأسها الحريات. ودعا إلى “مراجعة هذه التعديلات، لأن تطبيقها سيؤدي مباشرة إلى إجهاض مبادرة الحوار، وخلق مناخ غير مؤاتٍ للتوافق والتراضي، إلى جانب أنه لن يُسمح للصحافة بأن تؤدي دورها تجاه الوطن والمواطن أولاً، وفي إعانة أجهزة الدولة على النهوض بمسؤولياتها من خلال المتابعة والرقابة، ومكافحة التضليل”.

من جانبه، اعتبر الخبير القانوني والمدافع عن حقوق الإنسان، عثمان صالح، لـ”العربي الجديد”، أن “القصد واضح من إقحام هذا التعديل هنا وهو التضييق على حرية النشر والتعبير والصحافة، كما أنها تعيق عمل المدافعين والحقوقيين والصحافيين الذين يقومون برصد ونشر الانتهاكات من كل الأطراف، ويقومون بالتحليل وإبداء الآراء في مختلف القضايا”، لافتاً إلى أن السلطة ستفسر أي نشر لا يكون في مصلحتها أو لا ترتاح له بأنه إثارة للحرب ضد الدولة.

قضايا النشر لها قانون خاص في السودان

ولفت صالح إلى أنه من ناحية ثانية إن قضايا النشر لها قانون خاص، وهو قانون جرائم المعلومات للعام 2007، ولأنها قضايا خاصة وتحتاج إلى فهم ودراية خاصة فقد استلزم القانون إنشاء نيابة وشرطة ومحكمة خاصة بقضايا النشر لحساسية هذه القضايا. وتابع: “بما أنه تمت إضافة نص على القانون الجنائي 1991، فإن ذلك يؤدي إلى إحالة البلاغ الى محكمة غير مختصة بالنشر ووكيل نيابة وعناصر شرطة غير مختصين بالتعامل في قضايا النشر”، مؤكداً أن “ذلك يتعارض مع قانون جرائم المعلوماتية 2007 وهو قانون خاص، والقاعدة القانونية الراسخة والذهبية أن القانون الخاص يقيد القانون العام”. وحذر من أن “مثل هذه التعديلات تخرق التزامات السودان في العهود والمواثيق الدولية، وتؤدي إلى القمع والجبروت والطغيان، لكنها لا تستطيع أن تسكت الأصوات الحرة والشجاعة والآراء النيرة”.

عثمان صالح: السلطة ستفسر أي نشر لا يكون في مصلحتها أو لا ترتاح له بأنه إثارة للحرب ضد الدولة

بدوره، اعتبر الخبير القانوني عبد العظيم حسن أنه “ليس أخطر على أي دولة من أن يتحول القانون من ضمانة لحماية الحقوق والحريات إلى أداة لتصفية الخصومات السياسية”. وأضاف، لـ”العربي الجديد”، أن تعديل المادة 51 من القانون الجنائي يثير تساؤلات جدية حول سلامة الصياغة التشريعية”. وأوضح أن “النص الأصلي يجرّم إثارة الحرب ضد الدولة عسكرياً بجمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح والعتاد، أو الشروع في ذلك أو التحريض عليه أو تأييده، لكن إضافة عبارة بما في ذلك النشر في الوسائط الإلكترونية والإعلامية إلى الفقرة (أ) تثير إشكالاً جوهرياً، إذ قد يُفهم منها أن مجرد النشر يُعتبر جريمة، حتى دون ارتباطه بأي من الأفعال المحددة في النص”. وأشار إلى أنه “بذلك تتحول وسيلة التعبير إلى أساس محتمل للمساءلة عن جريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، مع جواز مصادرة الأموال، دون وضوح كافٍ بشأن الصلة المطلوبة بين النشر والفعل المجرّم”.

ولفت حسن النظر إلى أن “خطورة هذا التعديل لا تكمن فقط في اضطراب صياغته، وإنما في احتمال توسيع نطاق التجريم ليشمل التعبير السياسي والإعلامي، بما يخلط بين نقد الحكومة وإثارة الحرب ضد الدولة”، مضيفاً أنه “لا يجوز ترك معالجة هذا الخلل لتأويل المحاكم، فوضوح التجريم مسؤولية المشرّع، ولا سيما حين يتعلق الأمر بعقوبات بالغة الخطورة”. وقال: “إذا كان المقصود مواجهة التحريض على الأعمال العدائية، فإن ذلك يستلزم نصاً دقيقاً يحدد الفعل المجرّم وشروط المسؤولية عنه، لذلك فإن مقتضى المسؤولية القانونية والوطنية هو إلغاء هذا التعديل”.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى