
ترجمة _ التحوّل
تستعرض الصحفية “إنغفيلد غورو لارسن فيترهوس” قصة الناشطة السودانية تهاني عباس علي، التي فرت من الحرب وهي تحمل طفليها بين ذراعيها، وتروي كيف حملت النساء الأمهات والأطفال وكبار السن على ظهورهن أيامًا طويلة حتى بلغن برّ الأمان. ومن منفاهن، تواصل تهاني نضالها ضد انتهاكات حقوق الإنسان، ومن أجل ضمان حضور المرأة السودانية على طاولة مفاوضات السلام.
تشير تهاني إلى الهاتفين المحمولين الموضوعين أمامها على الطاولة. تستخدم أحدهما للبقاء على تواصل مع النساء داخل السودان، بينما يربطها الآخر بالنساء في مخيمات اللاجئين بالدول المجاورة. وبين الهاتفين، تشارك في أكثر من 550 مجموعة على تطبيق «واتساب».
لا تتوقف الرسائل عن الوصول؛ فمن دارفور وولاية الجزيرة، ومن مخيمات اللاجئين في تشاد وإثيوبيا، ومن نساء في طريق النزوح وأخريات ما زلن يعشن وسط أتون الحرب. تقرأ تهاني كل ما يصلها.
وتقول: “هذه هي حياتي. ساعة بساعة، ودقيقة بدقيقة، أحاول أن أفهم ما يحدث داخل السودان. أتابع، وأشارك المعلومات، وأنقل أصوات النساء السودانيات في الاجتماعات، سواء عبر الإنترنت أو وجهًا لوجه. أحاول دائمًا مواكبة ما يجري داخل السودان.”
تعيش تهاني اليوم في المنفى بكينيا، وهي محامية ومدافعة عن حقوق الإنسان، ومؤسسة منظمة «نورا» لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات.
نشأت في قرية صغيرة بوسط السودان، شرق ولاية الجزيرة، حيث لم يكن تعليم الفتيات أمرًا مضمونًا.
وتقول: “كنت أخوض معركة من أجل الذهاب إلى المدرسة، ثم معركة أخرى من أجل الالتحاق بالجامعة.”
وعندما وصلت إلى الخرطوم عام 2000، اختبرت الحياة في العاصمة للمرة الأولى.
وتضيف: “هناك وجدت نفسي. رأيت كيف تناضل النساء السودانيات من أجل حقوقهن، وكيف وقفن في مواجهة دكتاتورية البشير، ثم لاحقًا ضد الانقلاب العسكري. عندها بدأت أدرك قوة المرأة السودانية.”
وتؤكد: “حتى في زمن الحرب، تتحمل النساء مسؤوليات جسيمة؛ فهن مقدمات للرعاية، ووسيطات، وصانعات للسلام.”
اندلاع الحرب
في صباح 15 أبريل 2023، كانت تهاني تستعد للتوجه إلى جامعة الخرطوم لإلقاء محاضرة حول حقوق الإنسان لطالبات كلية القانون. وفجأة، اتصلت بها شقيقتها من نيويورك لتخبرها بأنها شاهدت، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون، اندلاع القتال في الخرطوم.
خرجت تهاني إلى شرفة منزلها، وتقول:
“لم أرَ سوى الظلام، ثم سمعت إطلاق النار. ومن الشرفة رأيت جنود قوات الدعم السريع يغلقون الشوارع في الأسفل.”
انتقلت الأسرة إلى شقة أحد الجيران في الطابق السفلي، حيث شعرت بقدر أكبر من الأمان.
وتروي:
“لم يكن لدينا ماء، وكانت المنطقة ساحة حرب. لم نملك شيئًا. كان الأطفال خائفين، ولم نكن نعرف ما الذي سيحدث.”
ومكثت الأسرة هناك عشرة أيام، بينما كانت المعارك تدور حولهم. وخلال تلك الفترة، دخل مسلحون إلى المبنى ووضعوا أسلحة على سطحه.
وتقول:
“قالوا لي: سنحضر لكم الطعام والماء. لكنني شعرت أنهم يريدون إبقاءنا هناك لاستخدامنا دروعًا بشرية. كان المبنى مرتفعًا، وكانوا يريدون استغلاله. أدركت أننا لا نستطيع البقاء.”
كان الأطفال يتضورون جوعًا، ولم يصل أي طعام، كما لم تكن هناك متاجر مفتوحة أو طريق آمن للخروج.
وبعد عشرة أيام، وتحت ضغط الأصدقاء وأفراد الأسرة، اتخذت قرارها بالمغادرة.
وتقول:
“قلت: ليس لدي سوى طفليّ. لا أملك هاتفًا، ولا جواز سفر، ولا أي شيء. سأغادر منزلي.”
وكانت قد عاشت فيه خمسة عشر عامًا.
حملت تهاني ابنتها بين ذراعيها، بينما حمل زوجها ابنهما، ثم خرجا وسط تبادل إطلاق النار، حيث كانت القوات المسلحة السودانية من جهة، وقوات الدعم السريع من الجهة الأخرى.
وتستعيد تلك اللحظات قائلة:
“احتضنّا أطفالنا بهذه الطريقة”، وتشير بيديها إلى كيفية حمايتهما، ثم تضيف:
“إذا حدث أي شيء، فلتخترق الرصاصات ظهورنا نحن لتحمي أطفالنا. لم يكن أمامنا أي خيار.”
وتتابع:
“لم أشعر بالجوع، ولم أشعر بالغضب، ولم أشعر بأي شيء. كنت كأنني آلة. كل ما فعلته هو المضي قدمًا مع أطفالي.”
متابعة أوضاع النازحين
بعد أن قطعت مع أسرتها نحو 95 كيلومترًا سيرًا على الأقدام، رغم إصابة في ساقها، وصلت أخيرًا إلى منطقة سوبا بوسط السودان، حيث كان أقاربها في انتظارها.
وتقول:
“كان بعضهم يبكي، بينما كان آخرون يشعرون بالفرح. لن أنسى تلك اللحظة أبدًا. رأيت أمي وأبي وأفراد عائلتي.”
لكنها لم تمكث طويلًا.
فقد بدأت، منذ الأيام الأولى، تتلقى تقارير عن وقوع حالات عنف جنسي، لا سيما في مدينة بحري شمال الخرطوم. وفي اليوم التالي غادرت إلى مدني، حيث شرعت في حشد الأطباء والمحامين والصحفيين وناشطي المجتمع المدني.
وتوضح:
“بدأنا نتلقى بلاغات عن العنف الجنسي على الفور تقريبًا. كانت لدينا خبرة اكتسبناها من دارفور، ومن مجزرة عام 2019، ومن انقلاب عام 2021. كنا نعلم أن العنف الجنسي سيُستخدم سلاحًا.”
وسرعان ما أنشأت هي وزملاؤها آلية لتلقي البلاغات وتوثيقها، وربط الناجيات بخدمات الدعم القانوني والطبي، والتواصل مع الشركاء الدوليين.
وتقول:
“بدأنا التواصل مع منظمة الصحة العالمية للحصول على البروتوكولات اللازمة لمعرفة كيفية التدخل. جهزنا المحامين، وأشركنا الصحفيين، ونظمنا أنفسنا لاستقبال الحالات.”
ووثقت منظمات سودانية ودولية انتشارًا واسعًا لجرائم الاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي في السودان. ووفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، فقد حُمّلت قوات الدعم السريع، التي تخوض قتالًا ضد القوات المسلحة السودانية، مسؤولية ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق في المناطق الخاضعة لسيطرتها، شملت الاغتصاب الجماعي، واختطاف الضحايا واحتجازهم.
وتقول تهاني:
“تدفع النساء في السودان ثمنًا باهظًا من أجل كرامتهن. تُستخدم أجسادنا ساحةً للحرب. تُغتصب النساء، ويُقتلن، ويُستغللن، ويُجبرن على ممارسة الجنس مقابل الطعام أو الحماية. هذا أمر ممنهج… إنه شكل من أشكال العبودية.”
وتضيف:
“الناجيات من الاغتصاب لا يستطعن الحصول على الرعاية الطبية الضرورية للوقاية من الحمل والأمراض المنقولة جنسيًا. وحتى السيدة التي كانت تقدم دعمًا طبيًا تطوعيًا تعرضت للاعتداء والاغتصاب في محاولة لمنعها من مساعدة الأخريات.”
وتشير إلى أن كثيرًا من النساء فقدن أزواجهن أو أفرادًا من أسرهن، وأصبحن يتحملن وحدهن مسؤولية رعاية الأطفال وكبار السن، كما يواجهن مزيدًا من الانتهاكات عند عبور الحدود بحثًا عن الأمان.
النساء و عملية السلام
إلى جانب عملها في الاستجابة الإنسانية، واصلت تهاني جهودها للدفع نحو إشراك النساء في مسارات السلام. ففي مدينة عنتيبي الأوغندية، ساهمت في تنظيم حوار مهم جمع نساءً من أطراف مختلفة في النزاع، بمن فيهن نساء يرتبطن بالقوات المسلحة السودانية، وقوات الدعم السريع، وفصائل مسلحة أخرى.
وتوضح:
“كانت تلك المرة الأولى التي تجلس فيها نساء من أطراف مختلفة في الصراع داخل غرفة واحدة، ويتفقن على أجندة مشتركة.”
واتفقت المشاركات على أربع أولويات رئيسية، هي: وقف الحرب، والحفاظ على وحدة السودان، وضمان المشاركة السياسية للنساء، ومحاسبة المسؤولين عن الفظائع والانتهاكات.
وتقول:
“إذا لم تكن هناك نساء على طاولة المفاوضات، فلن تكون أجندتنا حاضرة.”
وتشدد كذلك على ضرورة إشراك النساء في المناطق الريفية.
وتضيف:
“لدي عينان؛ بإحداهما أرى ما يحدث في المناطق الريفية، وبالأخرى أرى ما يحدث في المدن والمركز، وأحاول أن أجمع هذين الصوتين معًا.”
لا وقت للراحة
وتقول، ضاحكة للحظة قبل أن تستعيد جديتها:
“لو كنت قد التقيتني قبل عامين، لكنت لاحظت أن شعري لم يكن قد غزاه الشيب كما هو الآن.”
ثم تضيف:
“لكن الأمر لا يتعلق بي وحدي، بل بكل النساء السودانيات. فهن يفكرن طوال الوقت، ويحملن الخوف والمسؤولية والقلق على أكتافهن.”
وتتوقف قليلًا قبل أن تتابع:
“اعتاد الناس الحديث عن الأرقام، لكنها ليست مجرد أرقام، بل حياة بشر، ودماؤهم، وكرامتهم. إنهم أناس لهم تاريخ، وانتماء، وهم السكان الأصليون لهذه الأرض السودانية.”
وتؤكد أنها نادرًا ما تنال قسطًا من الراحة.
وتختتم حديثها بقولها:
“أشعر أحيانًا بالإنهاك، ويصبح الاستمرار أمرًا بالغ الصعوبة. لكن عندما أنظر إلى أطفالي، وإلى النساء والفتيات في المخيمات، أقول لنفسي: ليس هذا وقت الراحة، بل وقت مواصلة الطريق.”




