الأخبـار
«أجساد ممزقة» وآمال ضائعة.. أنين جرحى السودان في الحرب المنسية
الخرطوم: «التحول»
تواجه المنظومة الصحية في السودان انهياراً شبه كامل جراء النزاع المستمر، الأمر الذي ألقى بظلاله القاتمة على آلاف الجرحى والمصابين الذين يواجهون مصيراً مجهولاً في ظل شح المستلزمات الطبية وخروج غالبية المستشفيات عن الخدمة في مناطق الاشتباكات.
ولا تتوقف المعاناة عند حدود الإصابة الجسدية المباشرة، بل تمتد لتشمل تعقيدات بالغة في الحصول على الإسعافات الأولية والرعاية الجراحية الطارئة، مما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في حالات البتر والتشوهات الدائمة التي كان يمكن تفاديها في ظروف طبيعية.
وتتفاقم الأزمة بشكل حاد في العاصمة والولايات المتأثرة مباشرة بالعمليات العسكرية، حيث تحولت رحلة البحث عن مستشفى مستقر إلى مخاطرة حقيقية تهدد حياة المصابين وذويهم بسبب استمرار القصف واستهداف الكوادر الطبية.
ويقول أحد سكان شمال بحري، فتحي أحمد عبد الرحمن، إن المبادرات المحلية مع غياب المؤسسات الرسمية تظل محدودة أمام المشكلات الصحية الضخمة الحالية.
وأكد في حديث مع «التحول» أن عدد من الجرحى بالمنطقة الذين تمكنوا من النزوح أو الوصول إلى الولايات الآمنة يواجهون تحديات من نوع آخر، تتمثل في التكلفة الباهظة للعلاج.
في ذات السياق، يؤكد اختصاصي العلاج الطبيعي د. هاني السيد، وجود صعوبات كبيرة في العمليات القيصرية والتقويمية، فضلاً عن النقص الحاد في أدوية التخدير والمضادات الحيوية ومحاليل غسيل الكلى.
وحذر هاني في حديثه لـ«التحول» من أن إهمال ملف الجرحى وتأخر التدخلات الجراحية العاجلة سيؤدي إلى كارثة اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
ويقول اختصاصي جراحة العظام د. أحمد النور أحمد، إن عدم التدخلات العاجلة والمستمرة سوف تحول آلاف الشباب والمدنيين إلى فئات تعاني من إعاقات دائمة دون وجود تدخلات جراحية وبرامج تأهيل نفسي أو جسدي تدعم دمجهم مجدداً في المجتمع.
وقال النور في حديثه لـ«التحول»، إن أغلب الإصابات عبارة عن ندوب وبتر وتمزق وتهشم نتيجة القذائف والرصاص التي انهمرت على المدنيين في أحيائهم وبيوتهم.
وأبدى الاختصاصي أسفه لحجم تلك الإصابات التي تحولت إلى مشاريع إعاقة دائمة، محذراً في المقابل من تحول الإصابات الطفيفة والخطيرة لعدم التدخل الطبي.
وتتجسد هذه المأساة في قصة الشابة مريم، ذات الاثنين وعشرين ربيعاً، والتي كانت تدرس الهندسة المعمارية في الخرطوم قبل أن تسقط قذيفة طائشة على منزل أسرتها.
وتخضع مريم، للعلاج حالياً عند الاختصاصي النور، وتسببت الشظايا في تمزيق شديد لجسدها وإصابة بليغة في ساقها اليمنى، وطوال ثلاثة أيام كاملة، عجزت أسرتها عن نقلها إلى أي نقطة طبية بسبب اشتداد المعارك وحصار القناصة للممرات المؤدية إلى المستشفى.
وتقول مريم لـ«التحول» التي التقتها داخل عيادة الاختصاصي النور في ولاية نهر النيل، إنها كانت تنزف وتصارع الألم بين يدي والدتها التي لم تملك سوى بعض الأقمشة التقليدية لمحاولة وقف النزيف.
وعندما نجح بعض المتطوعين أخيراً في نقلها تحت أزيز الرصاص إلى مركز صحي متواضع، كان خيار الأطباء وحيداً وصادماً، البتر الفوري للساق لإنقاذ حياتها من الغنغرينا التي بدأت تنهش جسدها.
تواجه مريم حالياً غياباً كاملاً لبرامج التأهيل النفسي والجسدي، وانعداماً تاماً للأطراف الصناعية أو مراكز الرعاية المتخصصة التي يمكن أن تعيد لهؤلاء الضحايا الأمل في ممارسة حياتهم.
وتظهر التقارير الرسمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية حجم الفجوة الهائلة في الاستجابة الطبية، إذ تشير الإحصاءات الموثقة حتى الربع الأول من العام الجاري إلى تسجيل أكثر من 40,000 إصابة وجرح نتيجة أعمال العنف المباشرة منذ اندلاع النزاع،
في حين استقبلت المرافق الطبية الحكومية وفقاً لبيانات وزارة الصحة الاتحادية ما يزيد عن 44,000 جريح تمكنوا من الوصول إلى المستشفيات وتلقي مستويات متفاوتة من الرعاية الطبية الطارئة.
وفي ذات السياق، يسجل السودان تصاعداً خطيراً في نوعية الإصابات، حيث وثقت المنظمات الأممية إصابة ونزوح الملايين في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى المساعدات الصحية العاجلة تمس حياة أكثر من 21 مليون شخص يفتقرون لأبسط مستويات التغطية الطبية والخدمات العلاجية الأساسية.
ولا تقتصر المعاناة على خطوط المواجهة الأمامية، بل تمتد لتطال البنية التحتية الطبية التي أصبحت هدفاً مباشراً للعمليات العسكرية، حيث توضح قاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية للرصد والتحقق من الهجمات على الرعاية الصحية، وقوع أكثر من 217 هجوماً موثقاً استهدف المستشفيات والكوادر الطبية والمستودعات الدوائية منذ بداية الحرب.
وأسفر ذلك وحده وفق بيانات الأمم المتحدة، عن مقتل ما يزيد عن 2,000 كادر طبي ومريض وإصابة حوالي 810 آخرين داخل الحرم الطبي.
ويمثل هذا الاستهداف الممنهج جعل السودان يستأثر بنسبة صادمة بلغت 82% من إجمالي الوفيات العالمية الناتجة عن الهجمات على المنشآت الطبية، متصدراً بذلك المؤشرات الدولية في هذا التصنيف المأساوي، مما أدى بدوره إلى خروج 37% من المرافق الصحية في عموم البلاد عن الخدمة تماماً، وارتفاع هذه النسبة لتتجاوز 80% في ولايات ومناطق النزاع المباشر مثل الخرطوم ودارفور وكردفان.
وعلى صعيد الفئات الأكثر هشاشة، تكشف التقارير الميدانية لـ “اليونيسف” والشركاء الدوليين عن واقع مرير يواجه أطفال السودان، حيث جرى التحقق من مقتل وتشويه وإصابة أكثر من 4,300 طفل نتيجة المقذوفات العشوائية والهجمات بالطائرات المسيّرة التي باتت مسؤولة وحدها عن قرابة 80% من الإصابات البليغة وحالات بتر الأطراف وسط الصغار في مناطق مثل الفاشر وأم درمان.
وتنبه منظمة الصحة العالمية إلى أن النقص الحاد في إمدادات الجراحة الطارئة، وتوقف شحنات الأدوية الحيوية والمضادات الحيوية والمسكنات المخصصة لأكثر من 400,000 شخص، يضع الكوادر الطبية المتبقية أمام خيارات قاسية ومفاضلات يومية بين حياة المرضى، مما يجعل الموت البطيء يتربص بآلاف المصابين الذين تحولوا جراء غياب الرعاية إلى فئات تعاني من إعاقات مستديمة دون أمل قريب في التأهيل أو العلاج.
وتذكر منظمة الصحة العالمية صراحة في ملاحقها الإحصائية أن نظم الرصد تعاني من انهيار شبكات الاتصال في ولايات الجزيرة وسنار ومناطق واسعة من دارفور، مما يجعل هذه الإحصائيات الرسمية تمثل فقط الحالات الموثقة سريرياً، بينما تظل آلاف الإصابات والوفيات خارج السجلات الرسمية.




