الأخبـار

«طباشير» الدم ودفاتر النزوح.. حرب السودان تلتهم مستقبل جيل كامل

الخرطوم: التحول
تتحول المدارس والجامعات في السودان اليوم من منابر للعلم إلى شواهد حية على واحدة من أعمق الكوارث التعليمية في التاريخ الحديث. ولم تكتفِ حرب الخامس عشر من أبريل بتمزيق النسيج الاجتماعي والاقتصادي، بل امتدت لتهدم الركائز الأساسية للمستقبل وتضع منظومة التعليم بأكملها على حافة الانهيار الشامل.
تباين مأساوي
وتشير بيانات منظمة اليونيسف ومجموعة التعليم الدولية إلى أن النزاع تسبب في حرمان ما يزيد عن تسعة ملايين طالب وطالبة من العودة إلى مقاعد الدراسة. وينضموا بذلك،  إلى نحو سبعة ملايين طفل كانوا خارج النظام التعليمي قبل الحرب، وهو ما يضع أكثر من ثلاثة عشر مليون طفل سوداني من أصل سبعة عشر مليوناً في سن الدراسة خارج أسوار الفصول في إغلاق تعليمي يُصنف بأنه الأطول والأقسى على مستوى العالم منذ بدء الرصد الحديث.
وتتجلى الجغرافيا المجزأة للحرب في تباين مأساوي لأوضاع التعليم بين الولايات السودانية، حيث تحولت أكثر من أربعة وخمسون بالمئة من المدارس في مناطق النزاع المباشر إلى مناطق مواجهات عسكرية مستمرة أو ركام بفعل القصف.
في حين تحولت ثماني عشرة بالمئة من المنشآت التعليمية في الولايات الآمنة والمستقبلة للنازحين إلى مراكز إيواء مؤقتة تعج بالعائلات التي فرت من جحيم المعارك.
وتبدو الصورة أكثر قتامة في إقليمي دارفور وكردفان، حيث خرجت قرابة سبعة وتسعين بالمئة من المدارس عن الخدمة تماماً، بنسب عجز مرعبة.
وتتباين الدراسة بشكل مختلف في العاصمة الخرطوم والجزيرة وسنار، مما أجبر مئات الآلاف من الأسر على تحمل أعباء رسوم دراسية باهظة وفوق طاقتهم المالية في المدارس الخاصة بالولايات المستقرة، أو الاستسلام لواقع الحرمان من التعليم بسبب توقف رواتب العاملين وهجرتهم القسرية بحثاً عن سبل العيش.
مرحلة الانهيار
وأكد المتحدث الرسمي باسم لجنة المعلمين السودانيين، سامي الباقر، أن التعليم في السودان اليوم يمر بأسوأ مراحل الانهيار منذ نشأة التعليم النظامي الحديث في البلاد خلال القرن قبل الماضي.
وعزا الباقر ذلك، في حديثه لـ «التحول»، إلى استمرار الحرب، وتفكك مؤسسات الدولة، وضعف التمويل، وانعدام الاستقرار الأمني والاجتماعي.
وأشار إلى أنه في مناطق سيطرة الحكومة، يعاني قطاع التعليم من ضعف التمويل، بل وانعدامه في بعض الولايات، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على البيئة التعليمية.
علاوة على ذلك، نوه إلى اختفاء الكتاب المدرسي في كثير من المدارس، وكذلك المقاعد “الإجلاس”، وتدهور أوضاع الفصول، مع انعدام خدمات المياه والكهرباء والصيانة الأساسية.
ونبه الباقر إلى فرض رسوم باهظة على الأسر تحت مسميات متعددة، تشمل رسوم التسجيل، والامتحانات، وتسيير المدارس ومكاتب التعليم والوزارات بالمحليات والولايات.
وقال الباقر، إن رسوم تلميذ الصف الأول الابتدائي في بعض المناطق تصل إلى نحو مئة ألف جنيه، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات التسرب بصورة خطيرة تُعد من الأعلى في المنطقة.
دفعة الحرب
أما في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، فيقول الباقر إن التعليم توقف بصورة شبه كاملة، وحُرم أكثر من 280 ألف طالب وطالبة من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية المؤهلة للجامعات. كما أشار إلى تراكم دفعات الأطفال المستحقين لدخول المدارس لأكثر من ثلاث سنوات، ووصل عمر بعض أطفال “دفعة الحرب” إلى عشر سنوات دون أن يلتحقوا بالتعليم الأساسي، بينما أصبح عدد كبير من تلاميذ الحلقة الأولى مهددين بالأمية نتيجة الانقطاع الطويل عن الدراسة.
وشدد على أن المعلمين يواجهون أوضاعاً معيشية ومهنية بالغة القسوة، أبرزها تدني الأجور بصورة غير مسبوقة، إذ يتراوح راتب المعلم بين 70 ألف جنيه (ما يعادل نحو 17 دولاراً) و220 ألف جنيه كحد أعلى (بما يعادل نحو 55 دولاراً فقط).
إلى جانب ذلك، يواجه المعلمون تراكم المتأخرات المالية، بما يشمل الرواتب والعلاوات والبدلات والمنح منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ثلاث سنوات، حيث تصل المتأخرات في بعض الولايات إلى نحو 15 شهراً.
وأفاد الباقر، خلال حديثه، بفرض إجازات قسرية بدون مرتبات على آلاف المعلمين النازحين واللاجئين، بعد وضعهم أمام خيارين أحلاهما مرّ، العودة إلى مناطق غير آمنة أو فقدان الدخل بالكامل.
كما أشار إلى الفصل من الخدمة في عدد من الولايات، كما حدث في دارفور وكردفان والنيل الأبيض والجزيرة.
ونبه إلى انعدام الأمان الوظيفي وغياب أي ضمانات مهنية أو اجتماعية للعاملين في القطاع.
وذكر أن استمرار هذا الوضع يهدد بضياع جيل كامل من الأطفال والشباب، ويجعل من قضية التعليم واحدة من أخطر تداعيات الحرب على مستقبل السودان واستقراره الاجتماعي.
وشدد على أن وقف الحرب يظل المدخل الصحيح لمعالجة أزمة التعليم.
ودعا إلى تكوين لجنة وطنية محايدة تضم خبراء وطنيين مستقلين يمثل خطوة ضرورية لابتكار حلول عملية تعيد بناء العملية التعليمية تدريجياً، وتجعل من التعليم أولوية وطنية وقضية مجتمعية، مع ضرورة مساهمة المجتمعين الإقليمي والدولي بصورة فاعلة في دعم واستعادة التعليم في السودان.
تحصيل صفري
وعلى صعيد التحصيل الأكاديمي والشهادات الرسمية، يواجه النظام التعليمي معضلة تاريخية تمثلت في التمييز الجغرافي القسري لجلوس الطلاب لامتحانات الشهادة السودانية، والتي تأجلت لسنوات قبل أن تُجرى مؤخراً في ظروف استثنائية ومعقدة. وقال الخبير التربوي د. إبراهيم يوسف، إن الواقع الأمني أفرز مشهداً منقسماً حرم مئات الآلاف من طلاب الشهادة الثانوية في ولايات دارفور وكردفان وأجزاء واسعة من الخرطوم والجزيرة من الجلوس للامتحانات بسبب الحصار، وانقطاع شبكات الاتصالات، واستحالة تأمين مراكز الاختبارات أو إيصال أوراق الأسئلة تحت أزيز الرصاص.
وحذر الخبير التربوي من أن تلك الأسباب تهدد بمحو حلم أكثر من مليون طالب في الانتقال إلى التعليم العالي، وتحكم على جيل كامل بالدخول في أمية مقنعة أو الوقوع في فخ التجنيد والاستغلال.
وأضاف: “تظل هذه المأساة التعليمية جرحاً غائراً يصعب برؤه حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها”.
ضياع أجيال
مع ذلك، يؤكد مراقبون ميدانيون وتقارير مختلفة للجنة المعلمين السودانيين ومنظمات الطفولة حول العالم، أن الأرقام المتداولة في بعض المنابر الأممية لا تعدو كونها تقديرات جزئية مبنية على مسوحات قديمة.
بينما الواقع يشير إلى ضياع تام لبيانات أجيال بأكملها في ولايات مثل دارفور والجزيرة والخرطوم.
وأشار الخبير التربوي د. إبراهيم يوسف، تعليقاً على ذلك، إلى أن سجلات المدارس تحولت إلى رماد، وبات مئات الآلاف من الأطفال يتنقلون في رحلات نزوح مستمرة دون أي قيد أو رصد، مما يجعل حجم الأمية الناشئة جراء الحرب مجهولاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة دون وجود أي وثيقة رسمية تحدد أبعاد المعضلة.
قنبلة موقوتة
وفي السياق، تصف وثائق الأمم المتحدة الصادرة عن منظمة اليونيسف ومنظمة اليونسكو الوضع التعليمي في السودان بأنه قنبلة موقوتة تهدد بابتلاع مستقبل جيل بأكمله.
وتشير أحدث البيانات الموثقة بشكل مشترك إلى أن عدد الأطفال والتلاميذ الذين باتوا خارج النظام التعليمي ومقاعد الدراسة في عموم البلاد قد قفز إلى رقم صادم بلغ 19 مليون طفل، وهو ما يمثل طفلاً واحداً من بين كل ثلاثة أطفال في السودان.
وتكشف التقارير التقييمية لليونيسف أن هذه المعضلة تنقسم بين ما يقرب من 6.5 مليون طفل فقدوا حقهم في التعليم بشكل مباشر وفوري مع اندلاع الرصاص بسبب انتشار العنف وإغلاق أكثر من 10,400 مدرسة في المناطق المتأثرة بالنزاع.
وتكشف التقارير أن 5.5 مليون طفل آخرين يعيشون في ولايات أقل تأثراً بالعمليات العسكرية لكنهم يواجهون شللاً تعليمياً تاماً نتيجة عجز السلطات المحلية عن توفير الرواتب أو إعادة فتح الفصول. وينضم هؤلاء جميعاً إلى نحو 7 ملايين طفل كانوا يعانون أصلاً من الحرمان من التعليم قبل الحرب جراء الأزمات الاقتصادية المتراكمة.
ولا تتوقف البيانات الأممية عند حدود قطاع التعليم الأساسي والمدارس، بل تمتد لتشمل التعليم العالي والبحث العلمي وفقاً لتقارير الرصد الصادرة عن اليونسكو،د.
وتوضح المنظمة أن ما يقرب من 80% من مؤسسات التعليم العالي والجامعات في السودان خرجت عن الخدمة تماماً وتوقفت بها الدراسة بشكل كامل.
وتبين إحصاءات اليونسكو للتحقق من الأضرار عن دمار هائل لحق بالبنية التحتية الأكاديمية، حيث تعرضت 124 جامعة وكلية للتدمير الجزئي أو الكلي والنهب.
 إلى جانب ذلك،  تضرر 1,880 مختبراً علمياً، وضياع وفقدان مقتنيات ومحتويات 241 مكتبة جامعية و2,550 قاعة دراسية، لا سيما في ولاية الخرطوم والولايات المحيطة بها، مما تسبب في فجوة تمويلية ضخمة لإعادة تأهيل هذا القطاع قدرت بنحو 312 مليون دولار.
وحذرت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، في البيانات الرسمية الصادرة عن المنظمة، من التكلفة غير المباشرة لهذا الحرمان التعليمي.
وقالت إن المدارس في مناطق النزاع لا تمثل فقط مكاناً للتحصيل الأكاديمي، بل هي خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من شبكات التجنيد القسري ومخاطر العنف الجنسي والاستغلال.
وتلفت تحليلات اليونيسف الصادمة إلى أن خسائر كسب العيش والدخل للأجيال المتأثرة بالحرب في السودان في حال عدم تدارك هذه الأزمة الطارئة بشكل عاجل، ستؤدي إلى خسارة مالية واقتصادية صافية في المدى الطويل تُقدر بنحو 26 مليار دولار أمريكي.
وحذرت من أن ذلك يحول مأساة غياب الطباشير والكرّاس اليوم إلى أزمة اقتصادية واجتماعية هيكلية تمتد لعقود قادمة وتجعل السودان يواجه خطر المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الانهيار التعليمي المستدام.
اغتيال المهارات
ويعتبر الخبير التربوي محمد الفاتح، في حديث لـ«التحول» أن الغياب القسري عن المدرسة، اغتيال للمهارات العملية وتمزيق للنسيج الاجتماعي.
وشدد على أن خطورة غياب الطفل عن الدراسة تتجاوز مجرد خسارة الحصاد الأكاديمي أو التأخر في قراءة الكتب المدرسية.
منوهاً إلى أن المدارس في جوهرها هي المعامل الأولى التي تُصاغ فيها شخصية الإنسان، وتُبنى داخلها الهوية المعرفية والاجتماعية للجيل. وقال إن الانقطاع الطويل والقسري للأطفال عن البيئة التعليمية جراء الظروف الحالية يحمل في طياته آثاراً تدميرية عميقة يمكن رصدها من زاويتين رئيسيتين.
تتمثل الأولى من الناحية العملية لدى الخبير التربوي، في أن غياب الطفل عن المدرسة يؤدي إلى ما يُعرف تربوياً بـ “الضمور المعرفي والمهاري الارتدادي”.
ويشير إلى أن الطفل لا يتوقف نموه العقلي عند نقطة ثابتة، بل يتراجع إلى الوراء، حيث يفقد تدريجياً مهارات التفكير النقدي، والقدرة على حل المشكلات، والتنظيم الذاتي للوقت.
أما الزاوية الثانية عند الخبير التربوي فتتمثل في الناحية الاجتماعية، لأن المدرسة هي الفضاء الأهم الذي يتعلم فيه الطفل كيف يتعايش مع الآخرين خارج محيط الأسرة الصغير، حيث يتدرب على مهارات التفاوض، وبناء الصداقات، واحترام التنوع، وإدارة النزاعات، والعمل الجماعي.
وأشار إلى أن غياب الطفل عن هذا الفضاء يعزله اجتماعياً، ويخلق جيلاً يعاني من “الاغتراب الاجتماعي” وضعف الذكاء العاطفي.
الفراغ القاتل
في سياق متصل، يشير الدكتور أحمد يوسف استشاري الطب النفسي وخبير الدعم النفسي والاجتماعي في الأزمات، إلى أن تعمد الأطراف العسكرية لتغييب الطفل السوداني عن المدرسة وإخراج المؤسسات التعليمية من سياقها الطبيعي لا يمثل مجرد حرمان من حق دستوري أو معرفي، بل هو عملية هندسة اجتماعية خطيرة تؤدي إلى تدمير البناء النفسي للطفل وتفكيك الحصانة المجتمعية. وقال يوسف، لـ«التحول» إن المدرسة في علم النفس التطبيقي والاجتماعي لا تقتصر على كونها مكاناً لتلقي العلوم، بل هي المجال الحيوي والآمن الذي يمنح الطفل شعوراً بالروتين، والاستقرار، والتنبؤ بالمستقبل.
واعتبر أن إغلاق المدارس وتحويلها إلى ثكنات عسكرية أو مراكز نزوح ينتزع من الطفل “بيئته الحاضنة” ويلقي به في فراغ نفسي قاتل، مما يجعله فريسة سهلة لظواهر سلوكية شديدة الخطورة.
وشدد على أنه بغياب الفصول الدراسية والمتابعة التربوية، يتحول الأطفال بشكل دراماتيكي إلى عمالة قسرية غير آمنة في أسواق المدن والقرى لمساعدة عائلاتهم في تدبير لقمة العيش، أو يقعون في فخ التجنيد والاستغلال العسكري.
واعتبر أن ذلك يوفر بيئة خصبة للمجموعات المسلحة في هؤلاء الضحايا المستبعدين من التعليم ليكونوا نواةً خصبة للاستقطاب والتعبئة، مما يعني تحويل طاقات جيل كامل من البناء والتنمية إلى أدوات وقود لاستمرار دورات العنف والاقتتال الأهلي والحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى