الأخبـار

منصة لمناهضة الحرب أم مشروع لإعادة تأسيس الدولة: ماذا تريد قوى”إعلان المبادئ “ للسودان؟

الخرطوم: التحول
في خضم حرب دخلت عامها الرابع، وبينما تتركز معظم المبادرات السياسية السودانية حول كيفية وقف القتال أو إدارة تداعياته الإنسانية، اختارت قوى “إعلان المبادئ السوداني” الذهاب أبعد من ذلك. فبدلاً من الاكتفاء بطرح رؤية لإنهاء الحرب، قدمت القوى خلال اجتماعها الأخير في نيروبي مشروعاً سياسياً متكاملاً يتناول شكل الدولة وطبيعة السلطة والعلاقة بين الدين والدولة ومستقبل المؤسسة العسكرية وقضايا العدالة والتنمية. هذا التحول يجعل من الصعب النظر إلى الوثائق التي أُعلنت أخيراً باعتبارها مجرد مخرجات لإجتماع سياسي أو منصة جديدة مناهضة للحرب. فالميثاق السياسي وخارطة الطريق اللذان أُجيزا في مايو 2026 يبدوان أقرب إلى محاولة لصياغة مشروع وطني بديل لما بعد الحرب، وإلى إعلان سياسي يسعى لشغل الفراغ الذي خلفه انهيار العملية الانتقالية وانزلاق البلاد إلى الحرب.
من وقف الحرب إلى إعادة بناء الدولة
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انقسمت القوى السياسية السودانية بين أطراف انحازت بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أحد طرفي الصراع، وأخرى ركزت جهودها على المطالبة بوقف الحرب دون تقديم رؤية متكاملة لما بعدها.
لكن الوثائق الجديدة لقوى إعلان المبادئ تكشف عن مسعى مختلف. فهي لا تتحدث فقط عن وقف إطلاق النار أو استئناف العملية السياسية، بل تقدم تصوراً متكاملاً للدولة السودانية المستقبلية.
فالوثيقة تدعو إلى دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية، تقوم على المواطنة المتساوية، وتخضع فيها المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية، مع إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية وفق أسس قومية ومهنية جديدة. كما تتبنى برنامجاً واسعاً للعدالة الانتقالية والمحاسبة، وتطرح رؤية اقتصادية وتنموية تستهدف معالجة الاختلالات التاريخية التي ساهمت في إنتاج الحروب المتعاقبة.
بهذا المعنى، لا تقدم الوثيقة خريطة لإنهاء الحرب فحسب، وإنما تصوراً متكاملاً لشكل السودان الذي ينبغي أن يولد بعدها.
تحالف جديد أم كتلة ثالثة؟
اللافت أن القوى المنضوية تحت مظلة إعلان المبادئ تمثل مزيجاً غير مألوف من الفاعلين السياسيين والمدنيين. فهي تضم شخصيات وقوى مدنية مرتبطة بثورة ديسمبر، وتيارات ديمقراطية وليبرالية ويسارية، إلى جانب حركات مسلحة تتبنى خطاب “السودان الجديد”، وشخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني.
ورغم اختلاف الخلفيات الفكرية والتنظيمية لهذه المكونات، فإنها تتقاطع حول عدد من القضايا الأساسية، أبرزها رفض الحرب، ورفض عودة الإسلاميين إلى السلطة، والدعوة إلى سلطة مدنية كاملة، وإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة.
هذا التنوع يمنح المشروع بعداً سياسياً أوسع من كونه تحالفاً حزبياً تقليدياً، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة حول قدرته على الحفاظ على تماسكه في مواجهة القضايا الخلافية التي طالما قسمت القوى السياسية السودانية.
معركة الدولة لا معركة السلطة
أحد أهم ما يميز الوثيقة هو أنها تنقل النقاش من الصراع على السلطة إلى النقاش حول طبيعة الدولة نفسها.
فالحرب الحالية، وفق الرؤية التي يتبناها الميثاق، ليست مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، بل تعبير عن أزمة بنيوية صاحبت الدولة السودانية منذ الاستقلال. ولهذا تركز الوثيقة على معالجة جذور النزاع المرتبطة بمركزية السلطة، واختلال التنمية، وضعف المشاركة السياسية، وأزمات الهوية والمواطنة.
هذه المقاربة تقترب من الأفكار التي طرحتها تاريخياً بعض الحركات المسلحة وقوى الهامش، لكنها تحاول هذه المرة دمجها داخل مشروع سياسي أوسع يربط بين السلام والتحول الديمقراطي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
بند فصل الدين عن الدولة: أول اختبار سياسي
رغم أن معظم بنود الميثاق مرت دون اعتراضات كبيرة، فإن النص الخاص بفصل الدين عن الدولة سرعان ما تحول إلى نقطة الجدل الأبرز، بعد إعلان حزب الأمة القومي تحفظه على إدراج القضية بهذه الصيغة.
ولا يتعلق الأمر بخلاف قانوني أو دستوري فحسب، بل بقضية ظلت لعقود من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية السودانية. فمنذ الاستقلال، ارتبط الجدل حول علاقة الدين بالدولة بالعديد من الأزمات السياسية والدستورية والحروب الأهلية.
تحفظ حزب الأمة لا يعكس بالضرورة رفضاً لمبدأ الدولة المدنية، بقدر ما يعبر عن اختلاف حول توقيت وطريقة حسم قضية يرى الحزب أنها تحتاج إلى توافق قومي واسع عبر مؤتمر دستوري جامع.
لكن الجدل نفسه يكشف حجم التحديات التي قد تواجه المشروع الجديد. فكلما انتقل من الشعارات العامة إلى التفاصيل الدستورية والسياسية، ستظهر التباينات بين مكوناته المختلفة.
مشروع ما بعد الحرب
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت قوى إعلان المبادئ تسعى فقط للتأثير على العملية السياسية أم أنها تعمل على بناء حامل سياسي جديد لمرحلة ما بعد الحرب.
فالوثائق التي أُعلنت في نيروبي لا تكتفي بتحديد مواقف من الحرب أو من أطرافها، بل تقدم رؤية للحكم والاقتصاد والعدالة والعلاقات المدنية العسكرية والسياسة الخارجية. وهي ملفات تشكل عادة جوهر البرامج السياسية للأحزاب أو التحالفات الساعية إلى الحكم.
ومن هنا يمكن النظر إلى إعلان المبادئ باعتباره محاولة مبكرة لرسم ملامح مشروع سياسي جديد يستند إلى إرث ثورة ديسمبر، ويستفيد من أفكار “السودان الجديد”، ويطرح نفسه بديلاً عن الاستقطاب الذي فرضته الحرب بين طرفي النزاع.
تحديات الطريق
مع ذلك، فإن الطريق أمام هذا المشروع لن يكون سهلاً. فنجاحه يتوقف على قدرته على توسيع قاعدته الاجتماعية والسياسية، واستقطاب قوى إضافية من خارج دائرته الحالية، فضلاً عن قدرته على إدارة الخلافات الداخلية حول القضايا المصيرية.
كما أن تأثيره الفعلي سيظل مرتبطاً بمآلات الحرب نفسها، وبشكل العملية السياسية التي ستنشأ عقب توقفها، وبمدى استعداد الأطراف المسلحة والقوى الإقليمية والدولية للتعامل معه بوصفه فاعلاً رئيسياً في مستقبل السودان.
ومع استمرار الحرب وتعثر معظم المبادرات السياسية الأخرى، تبدو وثائق إعلان المبادئ محاولة جادة لملء الفراغ السياسي الذي أنتجته الحرب. أما ما إذا كانت هذه المحاولة ستنجح في التحول إلى مشروع وطني جامع، فذلك سؤال ستجيب عنه تطورات المشهد السوداني في السنوات المقبلة.
لكن المؤكد أن النقاش الذي أطلقته هذه الوثائق تجاوز مسألة إنهاء الحرب، لينتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: أي دولة يريد السودانيون بنائها عندما تضع الحرب أوزارها؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى