الأخبـار

بين الزراعة والخطر.. الخنازير البرية تتمدد في مشروع حلفا الجديدة الزراعي

القطعان تترك خلفها محاصيل مدمرة وخسائر فادحة

حلفا الجديدة – نبيل صالح 
لم تعد الحقول الزراعية في مشروع حلفا الجديدة مجرد مساحات خضراء تنتظر مواسم الحصاد، بل تحولت في نظر المزارعين إلى ساحات مواجهة يومية مع خطر متصاعد يتمثل في قطعان الخنازير البرية، التي تجتاح المزارع ليلاً، تاركة خلفها محاصيل مدمرة وخسائر فادحة تهدد مصادر رزق مئات الأسر.
تعود جذور هذه الأزمة إلى العام 2015، عندما شهد مشروع حلفا الجديدة تقلصاً ملحوظاً في المساحات المزروعة بقصب السكر. ومع هذا التراجع، بدأت الخنازير البرية، التي كانت تتخذ من أطراف المشروع موطناً لها، بالظهور داخل الأراضي الزراعية المحيطة بالقرى القريبة من مصنع سكر حلفا الجديدة، وبأعداد محدودة في بادئ الأمر.
غير أن ما بدا حينها ظاهرة عابرة سرعان ما تطور إلى أزمة حقيقية. فمع الانحسار التدريجي لمزارع القصب، فقدت هذه الحيوانات البرية بيئتها الطبيعية، ما دفعها إلى النزوح نحو المناطق الزراعية والمأهولة بالسكان بحثاً عن الغذاء والمأوى.
في المراحل الأولى، لم يشكل وجود الخنازير البرية خطراً مباشراً على السكان، إذ كانت تلوذ بغابات “البان” الكثيفة المنتشرة في أجزاء واسعة من المشروع، قبل أن تخرج مع حلول المساء إلى الحقول المجاورة بحثاً عن الطعام، ثم تعود إلى مخابئها مع بزوغ الفجر.
لكن هذا الواقع تغيّر بصورة جذرية مع مرور السنوات. فقد شهدت أعداد الخنازير البرية زيادة لافتة، وأصبحت تتحرك في قطعان كبيرة لا تكتفي بإتلاف أطراف الحقول، بل تقتحم المزارع بالكامل، متسببة في خسائر جسيمة للمزارعين، وسط عجز واضح لوسائل الحماية التقليدية عن التصدي لها.
وأمام تفاقم المشكلة، ناشد المزارعون واللجان الشعبية الجهات الرسمية التدخل العاجل لاحتواء هذه الآفة التي باتت تهدد النشاط الزراعي في المنطقة. وبحسب إفادات عدد من الأهالي، شرعت الجهات المختصة بالفعل في الترتيب لتنفيذ حملة واسعة تهدف إلى القضاء على الخنازير البرية أو الحد من انتشارها.
إلا أن تلك الجهود لم ترَ النور. فمع اندلاع الحرب في الخرطوم خلال أبريل 2023، توقفت الحملة بشكل مفاجئ، ليجد المزارعون أنفسهم في مواجهة منفردة مع خطر يتزايد يوماً بعد آخر، في ظل غياب شبه كامل للتدخل الحكومي.
ويؤكد عدد من المزارعين أن استمرار انتشار الخنازير البرية أجبرهم على التخلي عن زراعة محاصيل رئيسية مثل الفول السوداني، والبطاطا المعروفة محلياً باسم “البامبي”، إلى جانب الذرة، خشية التعرض لخسائر مؤكدة، إذ تستطيع هذه الحيوانات القضاء على مساحات واسعة من المحاصيل خلال ساعات قليلة.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الخسائر الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً لسلامة المواطنين. فقد اضطر كثير من المزارعين إلى تقليص وجودهم في الحقول، خاصة خلال ساعات المساء والليل، خوفاً من التعرض لهجمات الخنازير البرية المعروفة بسلوكها العدواني.
وبحسب روايات الأهالي، تعرض المئات لحوادث متفاوتة الخطورة نتيجة هجمات هذه الحيوانات، بعضها أسفر عن إصابات بالغة، لا سيما في المناطق المتاخمة للغابات.
وتبلغ خطورة الخنازير البرية ذروتها خلال مواسم التكاثر والولادة، إذ تتحول أنثى الخنزير إلى مصدر تهديد حقيقي، حيث تهاجم بشراسة أي شخص تشتبه في اقترابه من صغارها. ويؤكد مزارعون أن القوة البدنية لهذه الحيوانات استثنائية، إلى درجة تمكنها من إلحاق أضرار كبيرة بالمركبات عند شعورها بالخطر.
وحذر المزارعون  من معدلات تكاثرها المرتفعة، والتي اعتبروها عاملاً أساسياً في تعقيد جهود السيطرة عليها مستقبلاً.
وفي أثناء جولة ميدانية رافقنا خلالها أحد المزارعين ذوي الخبرة في التعامل مع هذه الحيوانات، ظهر قطيع من الخنازير البرية بالقرب من إحدى غابات البان. وبادر مرافقي بتحذيري بشدة من الاقتراب، خاصة بعد ملاحظته وجود صغار داخل القطيع، مؤكداً أن الخنازير البالغة قد تهاجم دون سابق إنذار.
وطلب مني إجراء التصوير من مسافة لا تقل عن مائة متر حفاظاً على السلامة، ولم يكن أمامي سوى الالتزام بتلك التوجيهات، في مشهد جسّد حجم الخطر الذي يعيشه المزارعون بصورة يومية.
ويجمع المزارعون والمختصون على أن أخطر ما يميز هذه الحيوانات هو قدرتها العالية على التكاثر، إلى جانب قدرتها الكبيرة على إتلاف مساحات واسعة من المحاصيل خلال فترات زمنية قصيرة، ما يجعل جهود حمايتها للمزارع أكثر تعقيداً وصعوبة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو حلفا الجديدة أمام معادلة بالغة التعقيد: مزارعون بلا حماية كافية، ومحاصيل مهددة بالضياع، وقطعان من الخنازير البرية تواصل التمدد دون رادع، في انتظار تدخل رسمي طال غيابه، وقد يأتي… أو قد لا يأتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى