الأخبـار

مدني عباس: الحرب امتداد لصراعات النظام البائد.. والإصلاح الهيكلي للمؤسسة العسكرية هو الحل

وزير التحارة الأسبق: انقلاب 2021 أجهض الانتقال والحل يبدأ من منع تفريخ المليشيات

مدني عباس لـ «التحول»: إبعاد الجيش عن السياسة والاقتصاد شرط أساسي لبناء السودان الجديد

حوار: «التحول»

قال وزير التجارة والصناعة السوداني الأسبق، مدني عباس مدني، في حوار خاص، لـ «التحول»، إن الحرب الجارية في السودان هي نتيجة لانقلاب 2021 الذي قاده الجنرالان عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو ضد القوى المدنية التي أطاحت بنظام البشير في أبريل 2019م.

ودعا مدني عباس إلى ضرورة إجراء إصلاح هيكلي على القوات المسلحة، وليس خروجها من السياسة والاقتصاد فحسب، وإنما منعها من تفريخ المليشيات. ونفى مدني أن تكون منظمات المجتمع المدني منشغلة بالسياسة فقط، بل إن لها دوراً كبيراً في مد العون للمدنيين أثناء الحرب عبر غرف الطوارئ.

بناءً على تجربتكم في وزارة التجارة، هل كانت المشكلة في غياب الرؤية الاقتصادية الموحدة داخل الحاضنة السياسية (قوى الحرية والتغيير)، أم أن الدولة العميقة كانت أقوى من محاولات الإصلاح؟

هنالك تحديات مختلفة واجهت التجربة الانتقالية بشكل عام، ومن ضمنها تجربة وزارة الصناعة والتجارة. ومن أهم هذه التحديات سياسات التمكين في فترة حكم المؤتمر الوطني، والتي جعلت العمل يتم عبر أجسام موازية للمؤسسات الحكومية الرسمية، مما أضعف هذه المؤسسات وهمّش دورها.

فوزارة مثل وزارة الصناعة والتجارة كانت من وزارات الترضية السياسية، دون وجود أدوار حقيقية وفاعلة تقوم بها، إذ كانت العديد من أدوارها المتعلقة بالسياسات التجارية والصناعية تقوم بها أجهزة حكومية وأمنية أخرى.

ومن ضمن التحديات أيضاً الاختلاف، أحياناً، في تصور طبيعة الإصلاح الاقتصادي بين قوى الحرية والتغيير والحكومة التنفيذية، وحتى بين مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير نفسها. كما كانت هنالك تحديات ارتبطت بضعف عمل الأجهزة الرقابية، وتورط الأجهزة الأمنية والعسكرية في النشاط الاقتصادي بشكل يضر بعدالة المنافسة ويقاوم سياسات الإصلاح الاقتصادي.

ولكن، على الرغم من ذلك، أظن أن الأداء الحكومي كان ذا طابع استراتيجي، من خلال العمل على الإصلاح القانوني والمؤسسي، وقبل الانقلاب كان واضحاً أن السودان يمضي بشكل كبير في مسار الإصلاح الاقتصادي.

كيف كان تأثير الصراع الصامت بين المكونين العسكري والمدني (قبل انقلاب 25 أكتوبر) على أداء الوزارات الخدمية والاقتصادية كوزارة التجارة؟

من خلال تجربتي في الحكومة الانتقالية الأولى، التي انتهت في 8 فبراير 2021، يمكنني الجزم بعدم وجود تعاون جاد من المكون العسكري مع الجانب المدني، بل كان الجانب العسكري مسؤولاً عن خلق العديد من العراقيل، وتهيئة بيئة مناسبة له للتراجع عن قضية التحول الديمقراطي.

إذا كان صراع الأحزاب ولجان المقاومة قد شجع العسكريين على الانقلاب، فمن يتحمل المسؤولية الأكبر: غياب المرونة السياسية لدى المدنيين، أم النية المبيتة لدى العسكر للانقضاض على التحول الديمقراطي؟

لا أظن أن الاختلافات بين القوى السياسية ولجان المقاومة، كما ذكرت، قد شجعت العسكريين على الانقضاض على السلطة. فالمكون العسكري، منذ 11 أبريل 2019، لم يكن جاداً في الانحياز إلى الشارع، وحاول عبر طرق مختلفة إجهاض الانتقال: فض الاعتصام، ومحاولة إضعاف الحكومة الانتقالية عبر المحاربة الاقتصادية، وفتح الباب أمام المجموعات الإجرامية، مثل عصابات «تسعة طويلة»، والعمل على جذب الحركات المسلحة لصالح تصورهم بالانقلاب على المسار الديمقراطي.

لذلك، لا يمكن التذرع بعدم مرونة المدنيين لتبرير مطامع المؤسسة العسكرية التي لجأت إلى الانقلاب بعد أن تبين أن محاولاتها لإيقاف مسار الانتقال عبر وضع العقبات الاقتصادية قد فشلت، خاصة مع رفع العقوبات وبداية الطريق نحو إلغاء الديون.

كل ذلك يؤكد أن قيام العسكر بالانقلاب كان مرتبطاً بطموحاتهم، وليس بإخفاق المدنيين.

لماذا تفشل القوى المدنية السودانية تاريخياً (في أكتوبر 1964، أبريل 1985، وأبريل 2019) في الحفاظ على تماسكها بعد إسقاط الأنظمة الديكتاتورية، وتدخل سريعاً في صراعات بينية؟

ذلك السؤال يقودنا إلى فرضية تُستخدم باستمرار وكأنها تأتي تبريراً للفعل الانقلابي، وهي الخلافات السياسية، مع أن الاختلاف من طبيعة العمل السياسي، وإلا فما منطق التعددية السياسية أصلاً؟ ولكن ذلك أيضاً لا يبرر الخلافات غير الضرورية التي تنتاب التحالفات السياسية بعد إسقاط الأنظمة الاستبدادية. وقد يكون ذلك مرتبطاً بوجود حالة من الشك وعدم الثقة الكافية بين المكونات السياسية، بالإضافة إلى أن تطاول أمد الأنظمة الشمولية يضعف من قوة الفعاليات السياسية والمدنية.

إلى أي مدى ترى أن الحرب الحالية (بين الجيش والدعم السريع) هي امتداد مباشر لانسداد الأفق السياسي بعد انقلاب 25 أكتوبر وفشل الاتفاق الإطاري؟

الحرب الحالية امتداد للصراع بين مكونات نظام البشير منذ لحظة سقوطه. فقد كان نظاماً سلطوياً أنتج دولة غنائمية، مكوّنة من مجموعات أمنية وعسكرية ليس بالضرورة أن تكون متفقة، ومجموعات من رجال الأعمال، وقيادات دينية وأهلية، ومكون سياسي أساسي هو المؤتمر الوطني.

ظهر الصراع بشكل أساسي بين المكونين العسكريين الرئيسيين، الجيش والدعم السريع، ولكن لكل طرف حلفاؤه الداخليون وارتباطاته الإقليمية والخارجية. وما كان يجمع بين مكونات نظام البشير التي ادعت الانحياز إلى الثورة هو موقفها وخوفها من القوى المدنية والديمقراطية. لذلك، فتح انقلاب 25 أكتوبر، بعد إبعاد الحكومة الانتقالية المدنية، الباب أمام صراعاتهم الداخلية، المتأثرة كذلك بتحالفاتهم الإقليمية، مما قاد إلى حرب 15 أبريل.

في ظل عجز المجتمع المدني وانشغاله بالسياسة، كيف تقيمون تجربة «غرف الطوارئ والشباب المتطوعين» كبديل شعبي فرضته ظروف الحرب لإغاثة النازحين؟

المجتمع المدني ليس منشغلاً كله بالسياسة، ويوجد العديد من الفاعلين فيه الذين ساهموا، منذ بداية الحرب، في التصدي للكارثة الإنسانية الأكبر. وعلى مستوى العالم، لعبت غرف الطوارئ والمجموعات القاعدية دوراً استثنائياً في التصدي للكارثة الإنسانية. وهو دور لا يمكن تصنيفه بديلاً للمجتمع المدني التقليدي، بل مكملاً لعمله، وباعثاً للروح داخله، وجاعلاً إياه أكثر قاعدية والتصاقاً بالمجتمعات المحلية.

إذا كان الدعم الخارجي يغذي الحرب، فما هي الأوراق الحقيقية التي تملكها القوى المدنية السودانية اليوم للضغط على الأطراف الدولية والإقليمية لوقف هذا الدعم؟

يرتبط الأمر بالعمل على فك احتكار العسكرة للمجال العمومي، وأن تكون المجموعات السياسية والمدنية أكثر التصاقاً بالحركة الجماهيرية، مع الإقرار بالصعوبات التي تواجه العمل المدني وما يتعرض له من تضييق. ولكن للقوى الديمقراطية في السودان إرث قديم في القدرة على تجاوز أوضاع الاستبداد والعسكرة.

إن قوة تأثير القوى المدنية هي التي تجعل صوتها أعلى في مواجهة التدخلات الإقليمية الداعمة للصراع في السودان. كما يمكن للقوى المدنية، عبر الضغط الإعلامي والسياسي، وكذلك الحوار مع الأطراف الدولية والإقليمية، العمل من أجل إيقاف دعمها للحرب في السودان.

كيف يمكن هندسة العقد الاجتماعي والسياسي الجديد للسودان بعد توقف الحرب؟ وهل هناك مكان للمؤسسة العسكرية في السياسة مستقبلاً، أم أن الحل يبدأ من خروجها تماماً؟

بناء عقد اجتماعي جديد، والعودة إلى منصة التأسيس بعد هذا المسار المعوج والمليء بالحروب في تاريخ الدولة السودانية، يجب أن يتأسسا في المقام الأول على الإقرار بأخطاء الماضي، لا التغاضي عنها. وأظن أن ثورة ديسمبر وضعت مسار هذا العقد الاجتماعي عبر شعاراتها الخالدة: «حرية، سلام وعدالة». وهي شعارات بسيطة، ولكنها تعكس فهماً واسعاً لأصل الأزمة السودانية وحلولها.

فالسلام الذي يخاطب جذور الأزمة في السودان عبر تبني نموذج دولة تنموية ديمقراطية، والحرية التي تقود إلى نظام ديمقراطي يمثل أساساً لتداول السلطة في السودان، والعدالة بمفهومها الواسع؛ عدالة قانونية واجتماعية، وتبني نموذج وطني للعدالة الانتقالية؛ كل ذلك، المستمد من شعارات ديسمبر، يمكن أن يشكل أساساً نظرياً للعقد الاجتماعي والمشروع الوطني الذي يعقب الحرب في السودان.

وفيما يختص بدور المؤسسة العسكرية، فقد أبانت الحرب الحالية أن قضية إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة والاقتصاد مسألة جوهرية؛ فهذه الحرب، في الأساس، هي حرب هيمنة على السلطة والموارد. كما أن وجود جيش موازٍ للجيش النظامي، نشأ بواسطته من أجل قمع خصوم النظام السياسي الذي يدافع عنه الجيش، يبين أن المطلوب ليس فقط إبعاد الجيش عن السلطة والسياسة، وإنما إجراء إصلاح هيكلي شامل يمنع الجيش من تفريخ المليشيات، ويجعله أقرب إلى الوظيفة الرئيسية للجيوش في العالم من حولنا، وهي حماية حدود الوطن والخضوع لسلطة مدنية منتخبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى